‘أولئك الذين مع رسول الله..’

‘أولئك الذين مع رسول الله..’

يحسن
بي وقد تكرر مني ذكرُ أحداثٍ من السيرة، أن أنبه على أنني لا أقصد حملكم
إليها لتعيشوا قصصها وزمنها، ولكنني أقصد حملهم إلينا ليعيشوا قصصنا في
زماننا هذا!

… وثقوا بأنَّ المسألة ليست مجرد
تلاعب بالألفاظ، بل هناك فرق شاسع، فرق بين أن تقصَّ الحادثة وتبقيها في
حدود زمانها، وبين أن تُسقط الحدث الماضي على الواقع.

وفرقٌ
بين أن تعود وأنت مدرك لمجالات العبرة والقدوة، وبين التقليد بلا وعي
للفروق التي تلغي القياس والإلحاق. إننا إذا لم نُدخل أصول الفقه في دراسة
السيرة، فإن قصص جداتنا عن سيرة بني هلال ستكون أبلغ وأجمل، وقابلة
للتقليد أكثر من أحداث السيرة. ولذلك فإنني أستنطق ولا أقص.

… فإن اتفقنا على هذا، فما بال: أولئك الذين كانوا معه صلى الله عليه وسلم…؟

أولئك
كانوا من معاني: "الله أعلم حيث يجعل رسالته"، إذ إنَّ هذا النص يلخص
عناصر وشروط نجاح الرسالة الإسلامية، فهو يعني: على مَن؟ وفيمن؟ وأين؟
وبهذه الآية قامت دولة الإسلام، وبها صلح أول هذه الأمة، ولن يصلح آخرها
إلا بها.

… من عجائب أولئك الذين كانوا معه صلى
الله عليه وسلم، أنَّ الإنسانية بكل أطيافها وصفاتها وتنوعها اختُصرت
فيهم؛ فمنهم الصعب، ومنهم السهل، ومنهم السياسـي المحنك، ومنهم البسيط،
منهم رجال عامة، ومنهم رجال خاصة، منهم الاجتماعي الذي لا يمل من مخالطة
الناس، ومنهم الذي يؤثر العزلة على كل شيء … منهم الفقيه غير الحافظ،
ومنهم الحافظ غير الفقيه، منهم العسكري الفذ، ومنهم المفاوض الذي لا يُشق
له غبار ..

منهم من أُلينت له الفصاحة كما ألين
لداود الحديد، ومنهم من لا تكاد تسمع صوته … منهم من يميل إلى الاشتباك
والصدام، ومنهم من يُرجح المسالمة… ومنهم .. ومنهم .. ومنهم ..

تشكيلة
متنوعة كان لا بد من وجودها لأنها جزء من مفهوم القدوة للعالمين الذين
سيأتون فيما بعد .. وهم بهذه التشكيلة شرط من شروط نجاح الدعوة أولاً …
ونجاح الدولة ثانياً .. وهنا وقفة: فقد تنجح دعوة بمجموعة من الأشخاص
بمواهب محدودة، ولكن الانتقال إلى الدولة يحتاج لما هو أكثر تنوعاً،
بمواهب غير محدودة … ولا بأس من قولها بعبارة أخرى:

إن قدرة مجموعة ما على التأثير بالموعظة والنقاش بل والقتال، لا يعني بالضرورة قدرتها على إدارة أمة، أو حتى دائرة صغيرة.

لقد
يسر الله الحكيم العليم أولئك الذين كانوا معه صلى الله عليه وسلم، ولقد
كانوا جاهزين بحكم النشأة، ثم إن المنهج استثمر وطوَّر وقنَّن جاهزيتهم ..
بحكم النشأة كان كثير منهم رجال دولة، ولولا ذلك لما نجحت الدعوة فضلاً عن
أن تنجح الدولة ..

ومن المهم أن نعرف أنهم لم
يكونوا مجرد أشخاص عاديين، لقد كان كثير منهم جزءاً من النظام السياسي
السائد، ومن النظام الاجتماعي المتحكم، ومن النظام الاقتصادي، ومن جميع
مظاهر الحياة وأنظمتها.. وكان كل واحد منهم بحكم النشأة والبيئة قادراً
على المفاوضة والاستيعاب وتقدير الأمور، وإدراك العواقب .. ومن كان يشذ
منهم فيتسرع أو يسيء التقدير أو يجهل أمراً ما، أو لا يساعده الطبع فقد
كانت التشكيلة تضبطه، يعني بلغتنا : كان النظام يضبطه ويكمله ويعلمه
ويستره.

لكن هذه التشكيلة المتنوعة لم تكن بلا
مرجعية، وإلا لكان تنوعها علامةً سلبية، ومصدر تخريب، كانت هناك مرجعية
تضبط وتقود هذا التنوع، كان هناك مرجعية منهج واضح حازم،

ومرجعية
قائد قوي متمكن عالم مسدد، يقود هذه التشكيلة القوية لتنسجم مع المنهج ..
قوي لدرجة أنه يستطيع أن يهدأ من قوة عمر وحمزة .. متمكن من إدارة هذه
التشكيلة … عالم بما يريد، وبمنهجه، وبالواقع الذي يتحرك فيه، وبالعالم
الذي يحيط به .. ومُسدَّد من قبل ومن بعد بالوحي .. مع التنبيه على أن
نجاح الدعوة والدولة كان من خلال الظروف الموضوعية المتوفرة، وبجهد البشر
وإمكانياتهم المسددين بالوحي، لذلك فإنك ترى أن المعجزة المادية لم يكن
لها مكان فيما حققته الرسالة من دعوة ودولة على مدى ثلاثة وعشرين عاماً.

قد
يطلب أبو ذر رضي الله عنه أن يَصدع بالقرآن عند الكعبة فتسمح له المرجعية
وتستوعبه التشكيلة، وتُعجبُ به المرجعية، وتُـسرُّ منه التشكيلة …
لكنهما مع إعجابهم به، وسرورهم منه لا يُجرُّون إلى فعله تـقليداً له،
إدراكاً من الجميع أنَّ البطولة الفردية التي لا تُحسَب على التشكيلة، ولا
تَجرُّ التشكيلة إلى ما لم تستعدَّ له ممدوحةٌ مطلوبة، شرط ألا تتهم
التشكيلةُ الفردَ بالتهور، وشرط ألا يتهم الفردُ التشكيلةَ بالجبن.

وقد
يَطلب عمر رضي الله عنه بمجرد إسلامه أن يخرجوا في طرقات مكة معلنين
دينهم، بما يُشب اليوم البيان رقم واحد، فتوافقه المرجعية، وتقف معه
التشكيلة لإدراكهم أنَّ الوقت قد حان.

أولئك الذين
كانوا معه صلى الله عليه وسلم، كانوا يستطيعون إدارة دولة، كما كانوا
يستطيعون إدارة دعوة، لقد هيأتهم ظروفهم لذلك، ولقد صنعهم المنهج لذلك،
ولقد وجههم القائد لذلك.

… لقد كانوا صنفاً
متفرداً من الناس، وكانوا تكويناً متكاملاً.. لم يكونوا مجرد شباب بلا
خبرة، وبلا تنوع، وبلا إمكانيات، آمنوا بدعوة حققت نجاحات في التحشيد
والجهاد والخطابة، والكتابة، لم يكونوا مجرد رجال شجعان وحسب .. ولم
يكونوا مجرد فقهاء بالمعنى الأكاديمي الدارج، ولم يكونوا شباباً في مسجد
يريدون نصر الإسلام بأي ثمن.

لم يكونوا جماعة ـ حتى
لو كانت كبيرة ـ لا تعرف ما تريد، فتتعامل مع المواقف على طريقة: "ربك
يستر"، وتتفاعل مع الأحداث على مذهب: أنَّ الأمر أُنُف.

وعندما
لا يحسن الناس التعامل مع القدوة، ومع النص، يسعون لإسقاط أي حالة تشابه ـ
ولو في ذهنه ـ على حالته، ويظن أن أي موافقة صدرت عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم يستطيع هو أن يوافق على ما يعتقده مثلها دون مراعاة للفروق،
ففلسطين أوسلوا كلها ليست المدينة المنورة لتوافق على تشكيل حكومة فيها!
فما بالك بإعلان نواة إمارة إسلامية من مدينة رفح؟!

وعندما
لا يحسن الناس التعامل مع القدوة، ومع النص يظنون أن اجتماع مجموعة من
العلماء، أو على الأصح مجموعة من خريجي كلية الشريعة، استكمال لشروط
التمكين، وتحقيق للدعوة والدولة، وأنه يشبه اجتماع رسول الله صلى الله
عليه وسلم مع أصحابه العلماء!

وما دروا أن أولئك
الذين كانوا معه مؤهلون بحكم النشأة، وبحكم التربية التي قصدت بناء قيادة
علمية مؤهلة، فما وجه الشبه بين أولئك، وبين هؤلاء الذين ألقتهم ـ على
الأغلب ـ الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنظام التعليمي لدراسة الشريعة
في كليات تعاني من أساتذتها أكثر من أي أحد آخر، ليتخرجوا لإمامة الصلاة
في مجتمع يضعهم في ذيل السلم الاجتماعي!

إن أولئك
الذين معه تركيبة مختلفة، مصنوعة صناعة ماهرة لقيادة أمة، وإدارة دولة،
وتوجيه دعوة. وإذا كان إلحاق فرع بأصل لا بد فيه من تحقق أركان القياس حتى
يصح الإلحاق، فعلى الذين جاؤوا بعده أن يكونوا مثل الذين كانوا معه كي يصح
الإلحاق.

Advertisements
This entry was posted in Muslim Affairs. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s