الجغرافيا والتاريخ…العمق الاستراتيجي الجديد لتركيا

الجغرافيا والتاريخ…العمق الاستراتيجي الجديد لتركيا

وصف
وزير الخارجية التركي الحالي، أحمد داوود اوغلو تركيا بأنها إحدى أهم
ركائز منظمة حلف شمال الأطلسي خلال فترة الحرب الباردة. إنه البلد الوحيد
في حلف شمال الأطلسي، إلى جانب النرويج، الذي تمكن من احتواء الشيوعية،
وكان موضع ثقة الغرب قاطبة. هذا الولاء الغربي ذو الطابع العسكري، كان
يناسب "النخب" الحاكمة في الدولة التركية منذ 44 عاما. وفي مقابل الحصول
على المال والسلاح، تحولت تركيا عملياً إلى "الحارسة" الأمينة للمنطقة
الجنوبية الشرقية لأوروبا من الخطر الأحمر (الشيوعي).

وشكل
سقوط جدار برلين في 1989م، وانهيار الاتحاد السوفيتي في 1990م، وكتابة كل
من صموئيل هنتنغتون مؤلفه عن (صدام الحضارات) وفرانسيس فوكوياما عن (نهاية
التاريخ والإنسان الأخير) وروبرت كابلان كتابه عن (الخرائط الإستراتيجية)
في الفترة الحساسة ما بعد الحرب الباردة، تجسيدا للنظرية السياسية
الإستراتيجية التي وضع أسسها المستشار الأمريكي والدبلوماسي والمحلل
السياسي، جورج كينان، مهندس الحرب الباردة، بدعوته لاحتواء الاتحاد
السوفيتي، لكنه ظهر باحث آخر في العلاقات الدولية ومن تركيا، داوود اوغلو،
الذي عمل هو الآخر على وضع خريطته الخاصة الجديدة للمشهد الجغرافي السياسي
في المنطقة.

إذ يرى داوود اوغلو، الأستاذ في
العلاقات الدولية، أن تركيا تحررت من مواجهات الشرق ـ والغرب، أو ما كان
يطلق عليه في ذلك الوقت بـ"أبعاد الصراع الجغرافي السياسي" للحرب الباردة،
وأن بعدا جديدا آخر ـ يمثل جزءا لا يتجزأ من المواجهة ـ بدأ في إثبات
وجوده من خلال "جغرافيا العولمة" (geography of globalization)، حيث ما
عاد من الممكن اعتبار تركيا ذيلا للغرب، وإنما بوصفها دولة في المركز.

لقد
طور فكرته في كتابه الذي أصدره عام 2001م بعنوان "العمق الإستراتيجي"،
ومنذ ذلك الحين تحول العنوان إلى وصف مختصر لـ"عقيدة داوود اوغلو". الفكرة
الأساسية التي تقوم عليها عقيدته، أن تركيا، كونها بلدا محوريا ومركزيا،
يجب أن توظف خصائصها الجغرافية والتاريخية الفريدة من نوعها، خدمة
لسياساتها الخارجية المميزة.

هو من مواليد عام
1959م في مدينة كونيا بوسط الأناضول، تلقى داوود اوغلو تعليمه في اسطنبول،
وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة البوسفور. وفي وقت مبكر
من عام 1990م، درّس في ماليزيا، ثم عاد إلى اسطنبول ليدرّس في جامعاتها.

والأفكار
التي كان يدعو لها داوود اوغلو أقنعت قيادة حزب العدالة والتنمية (AKP)
بصوابيتها، وعندما وصل الحزب إلى السلطة في عام 2002م، عُين داوود اوغلو
مستشارا لطيب رجب أردوغان في قضايا السياسة الخارجية. وفي آيار/ مايو
2009م، عين وزيرا للخارجية التركية.

لم يرشح داوود
اوغلو نفسه في الانتخابات البرلمانية، ولمدة ثماني سنوات، كان لديه موقف
يحسد عليه من كونه سياسياً غير خاضع للمساءلة وللمساومة.

وإذا
كان لتركيا ميزة إستراتيجية ما، كما يقول داوود اوغلو، فهي في عمق
جغرافيتها وتاريخها. تقع تركيا في كل من آسيا وأوروبا، وتطل حدودها على
البلقان والقوقاز والشرق الأوسط. وعبر مياه البحر الأسود وبحر ايجه وسواحل
البحر الأبيض المتوسط، تُجاور تركيا 25 بلدا ساحليا. وكل حركة المرور من
وإلى البحر الأسود تمر عبر المضايق التركية. كما أن منبعا نهري الدجلة
والفرات ينطلقان من الأناضول، وبالتالي تسيطر تركيا على المياه العذبة
لسوريا والعراق. وما لا يقل عن 12 مليون كردي يعيشون في تركيا، وأكثر من 5
ملايين كردي يعيشون على الحدود في شمال العراق. اللغات والثقافات التركية
تغطي كل المنطقة الممتدة من جنوب شرق أوروبا إلى شمال غرب الصين. وكانت
اسطنبول، مقرا للخلافة والإمبراطورية العثمانية التي هيمنت على القدس،
وسراييفو، ومكة والقاهرة وبلغراد، ودمشق وبغداد على مدى أجيال. ودفع داوود
اوغلو تركيا لاستخدام هذا "العمق الاستراتيجي"، لتصبح طرفا رئيسا في
العالم.

وبامتلاكها لأكبر جيش تابع لمنظمة حلف شمال
الأطلسي إلى جانب الجيش الأمريكي، تريد تركيا ضمان الأمن والاستقرار في
شمال العراق بمجرد انسحاب الأمريكيين. تركيا هي المحور الأساس لمشروع
نابوكو لخطوط مد أنابيب الغاز الطبيعي، الذي يهدف لتحرير أوروبا من
الاعتماد على الغاز الروسي. وقد سعت تركيا لاكتساب سمعة طيبة للوساطة في
النزاعات الصعبة: في البوسنة؛ بين إسرائيل وسوريا، وبين اثنين من
أصدقائها، إيران وأمريكا. وكتب أحد الصحفيين الأتراك متهكما، أن تركيا يجب
أن تطلب من تركيا المساعدة في تحسين العلاقات المتوترة حاليا بينها وبين
إسرائيل.

توجد القوات التركية في أفغانستان لتدريب
الجيش الوطني الأفغاني. كما أمضت تركيا في مجلس الأمن بالأمم المتحدة سنة
واحدة من عهدتها من مجموع سنتين، وهي عضو بارز في مجموعة الـ 20. وأسهمت
تركيا، مع اسبانيا، في إنشاء تحالف الحضارات، وهو منتدى تدعمه الأمم
المتحدة لتحسين العلاقات بين العالم الإسلامي والغربي.

وتسعى
أيضا إلى إزالة كل العقبات والمشاكل مع جيرانها، فقد ألغت حتمية الحصول
على التأشيرة للدخول إلى التراب التركي بينها وبين سوريا، وتأمل في الحصول
على اتفاق مماثل مع روسيا هذا العام. كذلك، فإن تركيا وقعت، ولكن لم تصادق
بعد، على معاهدة اتفاق السلام مع أرمينيا. وتريد تركيا أن تحصل على كامل
عضويتها في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2014م. وإذا نجحت تركيا في
مساعيها، فإن الاتحاد الأوروبي سوف يكون له حدود مشتركة مع إيران، ويمتلك
موارد عسكرية ضخمة، وسيتضاعف سكانه إلى ستة أضعاف. وإذا ما أخفقت تركيا،
فإنه سيكون من الصعب بالنسبة للاتحاد الأوروبي إقناع العالم بأن
"الاسلاموفوبيا" ليست قيمة أوروبية.

ورغم المخاوف
الغربية الكبرى (الحرب في العراق وأفغانستان، السلام العربي الإسرائيلي
المتعثر، الطاقة، الإسلام والاتحاد الأوروبي)، فإن الهدف الرئيس من مساعي
العضوية في الاتحاد الأوروبي هو: زيادة معدلات التبادل التجاري، وجذب
الاستثمارات الأجنبية وتوفير الموارد لاقتصاد تركيا. وقد عمل حزب العدالة
والتنمية على تطوير خطابه، خاصة الذي يتعلق بالسياسة الخارجية، حيث أشاد
بالموقع الذي تحتله تركيا أمام باقي دول العالم، وبحيوية شبابه النشط،
الذي سوف يحتاج إلى وظائف عمل ومهن مختلفة، سوف توفرها الشركات والمؤسسات
التركية التي تنمو وتنتشر في جميع أنحاء تركيا وفي الخارج.

ومنذ
تأسيس تركيا في عام 1923م، هيمن على سياستها الخارجية الحرص على إبقاء
البلد موحدا. مصطفى كمال اتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، كان شاهدا على
تكالب القوى العظمى وتآمرها على تركة الإمبراطورية العثمانية (الرجل
المريض) التي سيطرت في وقت ما على نصف أوروبا. وبمجرد إلقاء نظرة على شروط
معاهدة سيفر (of Sevres Treaty) في عام (1920م) سنفهم التخوف التركي من
المؤامرات الخارجية، خاصة الغربية منها.

إذ يعتقد
الأتراك في كثير من الأحيان اعتقادا راسخا، أن قوى أجنبية تحاول تقسيم
البلاد؛ وقد تعلموا جميعا منذ نعومة أظافرهم المقولة التي تفيد بأن "تركيا
محاطة من جوانبها الثلاث بالبحر، ومن جانبها الرابع بالعدو".

تم
تحرير الاقتصاد التركي منذ 1980م، وخلال العقد الماضي نجح الأتراك في
تشكيل رأي عام يؤمن بأن المصلحة الوطنية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأمن
القومي.

والقضية الوطنية التي يعمل حزب العدالة
والتنمية على تحقيقها تقوم على تجريد السياسة التركية من الهيمنة
العسكرية، وخصخصة مليارات الدولارات من الأصول المملوكة للدولة.

وبتأثير
من داوود اوغلو وحزب العدالة والتنمية، فإن التوجه الجديد القائم حاليا
داخليا وخارجيا أساسه المقولة التالية: "تركيا محاطة من جوانبها الثلاث
بالبحر، ومن جانبها الرابع بالأسواق".

يدعوه البعض
بـ"داوود اوغلو السياسة الخارجية" أو "العثمانية الجديدة"
(neo-Ottomanism). وقد افتخر أحد أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان
عندما تحدث عن "اعتزازه" برؤية الجدران العثمانية تحيط بمدينة القدس
القديمة، وبسراييفو، ومن الواضح أن الحنين إلى العهد العثماني (الذي يحلم
به على الأقل أعضاء في الحكومة والبرلمان التركي، وأبرزهم داوود اغلو)،
يُعطي دفئاً قوياً للسياسة الخارجية التركية.

وقال
داوود اوغلو نفسه: "… كلما كانت هناك أزمة في البلقان، فإن ضحايا هذه
الأزمات، مثل البوسنيين والألبان والأتراك في بلغاريا، يتجهون إلى
اسطنبول، وندفع نحن فاتورة تاريخنا". غير أن، داوود اوغلو يرفض تسمية
"العثمانية الجديدة"، كمحاولة من جانب خصومه لتشويه سياسته الخارجية، وكأن
لها دلالات استعمارية. وكان لقراره الأخير بتجديد جميع السفارات التركية
بأسلوب تركي بحت (الأتركة) ـ وهو ما يعني على الأرجح فرض منطق التوجه
"العثماني" ـ قد لا تساعده في قضيته..

ولكن، يبقى
أن هناك تهديدا واضح لمصداقية داوود اوغلو فيما يخص السلام المتعثر مع
أرمينيا. في شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي في زيوريخ، وأمام وزيرة
الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون ونظيرها وزير الخارجية الروسي سيرجي
لافروف، وقع كل من داوود اوغلو ونظيره الأرمني ادوارد نالبانديان حزمة من
البروتوكولات التي كان من المفترض أن تؤدي إلى قيام علاقات دبلوماسية
كاملة وفتح الحدود. غير أن التقارب بين البلدين (تركيا وأرمينيا) معلق
حالياً، بسبب أن أذربيجان تقاوم هذه الصفقة بشدة وترفض سيطرة أرمينيا على
منطقة "ناغورني كاراباخ" في قلب أذربيجان.

ورغم
الجهد السياسي الكبير الذي يبذله داوود اوغلو لفرض رؤيته في مجال السياسة
الخارجية، فإن مساعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي توقفت، بل ووصلت
إلى طريق مسدود. ونظرا للإحباط التركي من النفاق الأوروبي، فإن أقلية من
أعضاء حزب العدالة والتنمية تشدد على أن تركيا لم تعد بحاجة إلى الاتحاد
الأوروبي.

ومن المثير للاهتمام، أن هناك سببا وجيها
آخر يدعو إلى عدم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بالنسبة إلى هؤلاء، وهو
الحد من استقلالية السياسة الخارجية التركية. ويتعين على داوود اوغلو
خصوصا وعلى الإدارة التركية عموما، المزيد من فتح أبواب النقاش العام حول
أولويات وزارة الخارجية التي تدرك أن مواردها قد لا تتطابق مع طموحاتها
المشروعة.

ويشير المنتقدون أيضا إلى أن داوود اوغلو
وحزب العدالة والتنمية "يؤسلمون" السياسة الخارجية التركية. الدّين، جزء
أساس من رؤية حزب العدالة والتنمية للعالم، كما أنه يؤثر على الطريقة التي
يحكم بها الحزب. لكن هذا الاتهام بـ"الأسلمة" من الواضح أنه يهدف إلى
إخافة المراقبين الغربيين والعلمانيين. كما أن الكثير من الليبراليين
والتقدميين في تركيا يرفضون ـ أو يتجاهلون ـ هذا الاتهام.

وفي
الأخير، يبقى السؤال المطروح أيضا: هل ستكون الجماهير التركية من كتلة
الناخبين الذين أبقوا على حزب العدالة والتنمية في السلطة في نهاية المطاف
مع الرؤية الجديدة لمنظر الحزب في الشؤون الخارجية، داوود اوغلو؟

Advertisements
This entry was posted in News and politics. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s