تنفرد العصر بنشر ملخص آخر إصدارات المفكر محمد الأحمري: ‘نبت الأرض وابن السماء .. الحرية والفن عند علي عزت بيجوفتش’ (1/4)

 ‘نبت الأرض وابن السماء .. الحرية والفن عند علي عزت بيجوفتش’ (1/4)
10-3-2010
علي
عزت أنموذج لندرة من الرجال الذين هم أكبر مما يسمح به زمانهم أو مكانهم
لهم، وكانت تلك حال البوسنة مع علي، فقد أعطته البوسنة فوق ما تستطيع
دويلة محاصرة أن تقدمه من الشهرة والتأثير، وأعطى من الجهاد لبناء أمته
المحاصرة الكثير، وأعطى الفكر والثقافة الإسلامية أكثر مما يمكن أن يعطيه
مثقف مسجون أو محاصر كحصاره لعقود..نتحدث عنه لأنه جمع بين قوة العقل
وإشعاع الروح، بين المحارب حامي البلاد، والمفاوض الشريف، الذي ارتفع فوق
ركام كبير من الأحقاد، ومن ضعف النفوس، ومن قصور النظر، ومن التاريخ
البائس ليصنع لنا قدوة في زمن صعب. وكانت كتبه عالية القدر عميقة الفكر،
وكان سلوكه وأعماله شاهدا صادقا على أقواله. وكان أنموذجا للمثقف المعتدل
الواعي الزعيم، ليس فقط بين المسلمين ولكن بين زعماء العالم وثوّاره على
مدار قرون بعيدة، فقد حكم مثقفون كبار، ولكنهم أساءوا كثيرا، ونادر منهم
من تحلى بصفات سامية، ولكن علي من أبرز نماذج المسلمين المعاصرين لنا
الجديرين بالمعرفة والدراسة.

العصر:
تنفرد (العصر) بنشر ملخص القسم الأول من كتاب "نبت الأرض وابن السماء:
الحرية والفن عند علي عزت بيجوفتش"، لمؤلفه المفكر الموسوعي الدكتور محمد
حامد الأحمري، الذي قدم أغلبه كمحاضرة، وقد اهتم هذا القسم بمفهوم الحرية
وظروفها عنده، والقسم الثاني كان دراسة عن الفن عنده، وقد صدر عن مكتبة
العبيكان في 127 صفحة. 1431هـ 2010م، والكتاب بحث في الحرية والفن، كما
يرى الإنسان بيجوفتش ملخصا في عنصر ترابي مادي أو أرضي، فهو نبت الأرض،
وتلك الروح السماوية المتعالية المتطلعة للسماء.

القسم الأول:

* بدايات:

في
بداية أزمة البوسنة والهرسك، تحدث أحدهم عن المشكلة في أحد المجالس فردّ
الآخر عليه بأنه كان يتوقع أن البوسنة والهرسك: "أمراضا معدية"، فإذا بلغ
الجهل بالبوسنة إلى تلك الحال فلا شك أن رجلا مثل علي عزت سيبقى مجهولا
لنا حتى أظهرته أحداث كبار؛ وكان قد قارب الستين من عمره ولم يكن معروفا
كمفكر له ما يليق به من شهرة وتقدير، فقد تخلفت المعرفة بشخصه وجهاده
ومكانته الكبرى زمنا طويلا؛ ومن أسباب ذلك تأخره في الكتابة، ثم إن
كتاباته كانت في لغة مغلقة صغيرة نسبيا (الصربية الكرواتية)، ولم يكتب
بالعربية ولا الإنجليزية، فتأخر ظهورها في اللغتين كثيرا..

ومما
سبب تأخر معرفة الناس به ذاك الظلام الشيوعي المتطاول على بلاده، ولأن ما
قيل أنه أهم كتبه: "الإسلام بين الشرق والغرب" كان أعلى من أن يكون كتابا
لعامة المثقفين، ثم إن ظهور الكتاب كان في وقت معركة وجود قومية البوسنيين
أو عدمهم، فكانت الحرب تغطي على كل شيء. أيضا لم يكن يمثل شيئا من المدارس
والمذهبيات الإسلامية والجماعات، المنتشرة في العالم العربي والإسلامي فلم
يكن لأفكاره من ممثلين خارج بلاده، ولا مسوقين، وكان متواضعا، فلا يثير
جلبة حول أعماله، وكان مفكرا رصينا لا يقول للناس إلا ما يعتقد أنه يرقى
بهم، فكان يكتفي كثيرا بالنقل الأمين والإحالة والتعريف عندما تستحق
الفكرة إعادة تعريف بها، لا مجرد كلام عنها، ولم يكن يُكثر الكتابة ولا
الكلام ليقول أنا إنسان الزمان.

كثير من أفكاره
ومواقفه المعرفية تحتاج إلى تسهيل وتقريب حتى تكون مندمجة في جسم الثقافة
الإسلامية. وإن لم تتم عملية التعريف والتقريب لأفكاره الأساسية فقد
يمتدحه الناس مستقبلا امتداح مهابة، كبعض مثقفي العالم الكبار، ممن يكتفي
القارئ بمدحهم، ولا يجرؤ على اقتحام قلاعهم.

علي
عزت نجم البلقان لأكثر من عقد من الزمان، ونجم مدينة سراييفو الذي أشع
نورا في سمائها الملبدة بالشيوعية ثم بالعنصرية أكثر من خمسين عاما، نجم
سراييفوا التي عاشت مآسي العصور، والمواجهات الإسلامية المسيحية فقد سبق
للنمساويين أن أحرقوها تماما، واقتادوا عشرة آلاف رجل وامرأة منها،
استعبدوا الرجال، والفتيات المخدرات المسلمات وزّعوهن على الضباط والجنود
كسبايا حرب.

نتحدث عنه لأنه جمع بين قوة العقل
وإشعاع الروح، بين المحارب حامي البلاد، والمفاوض الشريف، الذي ارتفع فوق
ركام كبير من الأحقاد، ومن ضعف النفوس، ومن قصور النظر، ومن التاريخ
البائس ليصنع لنا قدوة في زمن صعب. وكانت كتبه عالية القدر عميقة الفكر،
وكان سلوكه وأعماله شاهدا صادقا على أقواله.

وكان
أنموذجا للمثقف المعتدل الواعي الزعيم، ليس فقط بين المسلمين ولكن بين
زعماء العالم وثوّاره على مدار قرون بعيدة، فقد حكم مثقفون كبار، ولكنهم
أساءوا كثيرا، ونادر منهم من تحلى بصفات سامية، ولكن علي من أبرز نماذج
المسلمين المعاصرين لنا الجديرين بالمعرفة والدراسة.

*حياته:

نناقش
هنا قضية الحرية من خلال علاقتها وتجليها في شخصية وأفكار علي عزت
بيجوفتش، ولنبدأ بالشخص، فقد عاش في البوسنة، التي فتحها العثمانيون عام
1463م، في السنوات الأولى من حكم الترك بنوا مسجدا وخانا وسوقا، وحماما
تركيا، وشيدوا جسرا، وأقاموا السراي "مقر الحكومة" ومنه جاءت كلمة
"سراييفوا".

وقد أشار الدكتور محمد الأرناؤؤط إلى
وقفية مهمة لتأسيسها سميت: "وقفية تأسيس سراييفو"، وتعود أصول عائلته
المسلمة إلى بلغراد التي هُجِّرت أسرته منها عام 1868، وكانت قد انقسمت
عائلته على ثلاثة أقسام أحدها غادر إلى تركيا، وفرع عائلته إلى قرية
شاماتس التي سميت: "عزيزية" نسبة للسلطان الذي وهبها للمهجّرين من بلجراد،
ولد في قرية بوسانسكي في البوسنة عام 1925م وسمي عليا على اسم جده، أما
جدّته فاسمها "صدّيقة" وهي تركية، وكان والده يعرف بعض التركية ويتحدثها
مع والدته، مما يغيض زوجته (أم علي عزت).

قدم به
والداه إلى سراييفو وعمره عامان. ليكونوا قريبا من أسرة والدته. نشأ في
أسرة كبيرة، وله ستة من الإخوة والأخوات، هو سابعهم، وكان والده يعمل في
التجارة، ثم أصيب بجرح في الحرب العالمية الأولى على الجبهة الإيطالية،
مما أورث له شللا في السنوات العشر الأخيرة من عمره، ولهذا اضطر أن يعمل
وأن يساعد إخوانه بعد إصابة والده، مما أورثهم قدرا كبيرا من الحرية. كانت
أمه ورعة حريصة على الصلاة وكانت توقظه لصلاة الفجر ليصليها في المسجد،
وكان علي متأثرا بإمام المسجد العجوز الذي كان دائما يتلو في الركعة
الثانية سورة الرحمن، ويشيد بـ "ذلك الإمام العالم الذي يوقره جميع أهل
الحي .. المسجد بين أزهار الربيع وصلاة الفجر، وسورة الرحمن ..صور جميلة
ما زلت أراها بوضوح من بين ضباب السنين التي مضت. "

وكانت
العلاقات في شبابه جيدة بين المسلمين والصرب قبل زرع الأحقاد، التي كثيرا
ما تشعلها السياسة، يقول: "كان هناك احترام متبادل بين الجميع، أذكر أنه
عندما كان جارنا ريستوبريان ـ وهو أحد الملاك الصرب ـ يمشي في القرية كان
يسّلم على كل امرأة يراها في حديقتها، ولكنه كان يدير وجهه للجانب الآخر
عندما يسلم على النساء المسلمات، كي لا يخدش أو يخالف تعاليم الإسلام".

بدأ
دراسة المحاماة، ثم غير تخصصه بعد حكم الشيوعيين إلى علم التربة، وكان قد
(نصحه والده بألا يدرس المحاماة بسبب حكم الشيوعيين فلا مستقبل للمحاماة
تحت حكمهم)، ثم عاد مرة أخرى لدراسة القانون، وقد أنهى دراسة القانون عام
1962 وكان وصول الشيوعيين إلى حكم يوغسلافيا بقيادة تيتو في عام 1945، ولم
يبلغ علي سن التاسعة عشرة، وبقيت البلاد في قبضة الشيوعيين القاسية إلى
عام 1966، ثم خفف تيتو منها في سنواته الخمس الأخيرة، وتوفي هذا
الديكتاتور عام 1980، انتسب علي لمنظمة الشباب المسلم "الشبيبة" عام 1946
وسجن على إثر ذلك سجنه الأول، ثم حكم عليه عام 1983 بالسجن 14 عاما، قضى
منها في السجن خمس سنوات وثمانية أشهر، وخرج عام 1988م، كتب خلالها:
"هروبي إلى الحرية" الذي لخص منه مجلد ترجم إلى اللغة العربية وإلى لغات
أخرى، كتبه في سجن "فوتشا" حيث قضى ألفي يوم وليل طويل.

يقول
عن هذا الحكم: "كان الموت هو الأمل الوحيد، أخفيت هذا الأمل بداخلي مثل سر
كبير لا يعرفه أحد غيري، ولا يستطيعون تجريدي منه" تلك الحال النفسية
يصفها سجين من قبله: "لا شك إنه من الصعب على من لم يمر بهذه الخبرات أن
يتصور الصراع النفسي المدمر للروح".

كانت له
ملاحظاته على القانون الشيوعي وهي كثيرة ومهمة،(في السيرة الذاتية) ولكنها
ثقيلة على القارئ العام، (فلا نطيل فيها هنا) وقد كتب تأملا طريفا بعد
إحدى جلسات محاكمته: "ماذا كنت أنتظر أفضل مما قدم القضاة (المدعي العام
وقاضي التحقيق) والذين بدأوا معارفهم بالمقولة الماركسية بأن: (القانون هو
إرادة الطبقات الحاكمة المتحولة إلى قانون) المعادلة التي تقع في تضاد
ساخر مع القانون".

ومن أبشع وجوه الاستبداد وعار
الشيوعيين ما توصلوا له من عقوبة أسموها: "الجنحة الكلامية" والتي تنص
على: "إن أي شخص يقوم بإهانة أو مهاجمة نظام الدولة كلاميا، أو كتابيا، أو
تصويريا، سيعاقب بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات"، ثم حكم عليه إثر ذلك
بسجن تسع سنوات مع الأشغال الشاقة.

ويعقب على هذه
العقوبة بقوله: "لقد درسنا في المدرسة أن تاريخ البشرية بدأ وأصبح الإنسان
حيوانا تاريخيا عندما تعلم الكتابة، ولكن الإنسان أصبح سلالة بشرية عندما
تعلم الكلام، وأن يقول ما يفكر به. ومن ثم جاء أولئك الذين منعوه من
الكلام واخترعوا قانون الجنحة الكلامية سيء السمعة، مخالفات وجنح بسبب
كلمات. فأعادوا الإنسان بذلك إلى الظلمات التي كان الإنسان يعيش فيها.

إن
الشيوعية، وبخاصة الستالينية والماوية، قضت على الإنسان في سجونها، وعلى
روحه في خارجها، فلم يصبح هناك أبطال، أبدا، والأحرار يحاكمون على أنهم
خونة، أو يرسلون للمصحات النفسية على أنهم مرضى، أو يعاملون كجيف في
السجون، في طريقها للدفن.

ولكن علي عزت برغم هذه
المعاناة، والمشاعر تغلب بجدارة، وبتصرفات غاية في الوعي والاستقامة أن
يقلب حياة السجن إلى دوحة للمعرفة والروح والوعي، وبالرغم من ضيق المكان
فقد أفاد من وفرة الزمان لدى السجين، وجعل لحياته معنى كبيرا، وبالمعنى في
الحياة يتغلب الكبار على المحن: "ويل لمن لا يرى في الحياة معنى، فأي
محاولة لاسترداد السجين لقوته الداخلية ينبغي أن تنجح أولا في أن تجعله
يبصر لنفسه هدفا مستقبليا، يقول نيتشه: "من يملك سببا يعيش من أجله فإنه
يستطيع غالبا أن يتحمل بأية طريقة وبأي حال" فالويل لمن لا يرى في حياته
معنى، ولا يستشعر هدفا أو غرضا لها؛ ومن ثم لا يجد قيمة في مواصلة هذه
الحياة، وسرعان ما يحس بالضياع".

وهو يكتب باللغة
البوسنية، ويجيد بعض اللغات، مثل الألمانية والفرنسية والإنجليزية. عاش
تحت الحكم الشيوعي المستبد قرابة خمسين عاما، أواخرها فترة مضطربة. وعمل
في مهن مختلفة منها في هندسة التربة، ومنها فترة في نجارة الموبيليا، وقال
إن غبارها سبب له أمراضا قد تتسبب في موته، وكانت أغلب فترات عمله في
المحاماة.

أنشأ حزب العمل الديموقراطي عام 1989
وترأسه عام 1990، ثم ترأس حكومة البوسنة بعد الاستقلال إلى أن استقال من
الحكم عام 2000 بسبب ما بيّنه من ضغوط دولية لا يطيقها، وتوفي عام 2003
بعد سقوطه في البيت وتعرضه لبضعة كسور، وكانت لديه أزمات قلب سابقة.

كتب
عن نفسه وأسرته: "الوقائع والمصائب السياسية التي مررت بها في الحياة جعلت
أولادي يفكرون مبكرا، ويقررون في أمور حياتهم ومشاكلهم. أعتقد بأن ذلك كان
باكرا جدا، أكثر مما يجب. وكان لذلك بالطبع نتائج جيدة، وحسنة. وأرجو الله
أن تكون الحسنة منها أكثر".

حمل علي عزت همّ حرية
أمته على عاتقه، وهمّ تحرر عقولها على عقله، وهم حرية أبدانها، وتجول في
بلاده يدعوها للوعي والحكمة، ويستنهضها للحرية، ثم حمل أحزان بلاده إلى
أصقاع بعيدة، يحمل أملا مستمرا لمدة تزيد عن ستة عقود من السنين، سلاحه
التفاني والحرص مع استبصار في المعارف والروح والعقل والفن والفلسفة
والدين والتاريخ قل أن يطاول، وعن معرفته بالرسم قال: "قرأت كل ما وصلت
إليه يدي عن الرسم. وأعتقد أنني فهمت الرسم الحديث بقدر ما يعرفه غيري ما
عدا ما يمكن أن يفهمه المبدع ذاته".

ولقي جلائل المحن، وكل ذلك لم يحّطم جسده المعتدل، ولا عقله الكبير، لقي ربه سعيدا مطمئنا متغلبا على أحزانه، وقد حقق الكثير؛

قل لمن يحمل هما إن همك لن يدوم

مثلما تفنى السعادة هكذا تفنى الهموم

له
كتب أهمها: "الإسلام بين الشرق والغرب"، بدأ كتابة بعض مسوداته قبل أن
يطبع بأكثر من عشرين عام. وهو أهم كتبه، كتبه باللغة البوسنية، واعتقل عام
1983 وهو يعمل فيه، فسربت مسودات الكتاب غير مكتملة، وترجمه صديق له مقيم
في كندا إلى اللغة الإنجليزية، ونشر أول مرة عام 1984م، طبع الكتاب مرتين،
ونشر بالإنجليزية قبل نشره بلغته الأصلية، ثم ترجم للعربية من الإنجليزية،
ترجمه عنها محمد يوسف عدس، ترجمة جيدة. يقول المؤلف عن كتابه: "لقد كان
هدفي في ذلك الكتاب هو أن أدرس المكانة التي يحتلها الإسلام في أفكار
وحقائق عالم اليوم, ولقد بدا لي أن الإسلام يقع ما بين التفكير الشرقي
والغربي تماما، كما هي حال الموقع الجغرافي للعالم الإسلامي، حيث يقع بين
الشرق والغرب.. ويرى أن هناك ثلاث وجهات نظر عالمية، ولا يمكن أن يكون
هناك أكثر من تلك؛ وهن: وجهة النظر الدينية، والمادية، والإسلامية".

وكتاب:
"هروبي إلى الحرية"، و"البيان الإسلامي"، والبيان مهم كخطاب وبيان سياسي
واع وفي زمن مبكر لعملهم، وليس كعمل فكري خاص به وإن كان في الحقيقة هو
الذي أعد الكتاب وهكذا عرف به. وله أيضا: "سيرة ذاتية"، كتاب يقع في 766
صفحة، بعض نصوصه كتبها بنفسه، وبعضها محاضرات ومقابلات متنوعة.

علي
عزت أنموذج لندرة من الرجال الذين هم أكبر مما يسمح به زمانهم أو مكانهم
لهم، وكانت تلك حال البوسنة مع علي، فقد أعطته البوسنة فوق ما تستطيع
دويلة محاصرة أن تقدمه من الشهرة والتأثير، وأعطى من الجهاد لبناء أمته
المحاصرة الكثير، وأعطى الفكر والثقافة الإسلامية أكثر مما يمكن أن يعطيه
مثقف مسجون أو محاصر كحصاره لعقود. كان يتمتع بقوة روحية هائلة؛ "إن القوة
الداخلية للإنسان قد تعلو به فوق قدره في هذا العالم الخارجي".

ويحسن أن نسوق بعض ملامح شخصيته:

كان
قويا مع مرونة، وأوضح ذلك حرصه على العمل والمفاوضات طوال الوقت وحرصه على
إنجاز موقف عملي، مفيد ولو كان جائرا أو أقل مما يطمح له، فقد كان يدرك
توجهات العالم الغربي، وكراهته لكيان إسلامي في أوروبا، و"حادثة القبول
بالصلح"، أنموذج يستحق التقدير، فالتصلب هنا مهلكة، والصلح غبن، ولكنه أخف
الضررين فقبل بما وصفه: "سلام جائر خير من حرب مهلكة." وقد أوصله الوضع
إلى شبه يأس من نصير في عالم القوى الدولية رغم بقايا صراع الغرب آنذاك،
وعندما تلوح لحظة أمل، أو انفراج فإنه لا يضيعها، ولا يمتهن نفسه في البحث
عن عون المعرضين عنه..

وقد كشف عن حادثة محاولة
الأمريكان الاتصال به في ذروة الحرب، في باريس وتنصله من دعوتهم، حتى
رصدوا له من يقابله في الشارع وهو يتمشى بعد التاسعة ليلا في المطر، ثم
ألحوا عليه بدخول السفارة الأمريكية في باريس حيث كانت السفيرة تنتظره عند
الباب، ولمح في طرف المكان ريتشارد هولبروك، ـ الذي رتب سلام ديتون، وكان
مندوب أمريكا في الأمم المتحدة ـ وكان على الهاتف نائب وزير الخارجية
الأمريكية، يقنعونه بمشروعهم ودورهم وغياب دور الأوربيين، ووعدوه بفك
الحصار عن سراييفوا ثم ضربوا الصرب في اليوم التالي.

وقد
كانت تلك المذابح من الشواهد الكبيرة في عصر العلمانية وزعمهم أنهم لا
ينحازون ولا يتطرفون دينيا في أوربا، فقد سكتت الدول الغربية عن ذبح
المسلمين، وحاصرتهم ومنعتهم من شراء السلاح أو إدخاله بأي طريقة، وكما حدث
في العراق من تحريم الحديث عن واحد من أهم أسباب الحرب، وهي نهب نفط
العراق، كما كتبت جريدة الـ "واشنطن بوست" قبيل وبعد غزو العراق عن تحريم
استخدام حرف [[O: الذي يرمز للحرف الأول من كلمة: نفط في الإنجليزية
[Oil].

في حرب البوسنة كان السبب المحرم أو الكلمة
المحرم تداولها في مواقف الحكومات الغربية هي الحديث عن "الدين"، ودوره في
موقفهم، أو ذكر كلمة [دين] أو الإسلام أو أنه سبب تقاعسها وصمتها عن
استمرار المذابح كون القتلى مسلمين، فهل النادي المسيحي الأوربي كان يفضل
إبادة المسلمين على وجود كيان إسلامي له أي أهمية في أوروبا، حتى في منطقة
كالبوسنة، أم أن السبب العجز، والعجز عن إيقاف المذابح لا يبرر منعهم من
التسلح، وإطلاق أيدي الصرب في رقابهم.

في أثناء تلك
الأزمة قدمت إحدى محطات التلفاز البريطاني مقابلة مع وزير الخارجية:
"دجلاس هيرد" والحرب موضوع المقابلة، وكان الصحفي الجريئ "سنو" يطارده
ويلح عليه لينطق بالتعريف أو الإشارة إلى السبب الديني، أو الهوية الدينية
للحرب ولكن الوزير أصر وبالغ في الهروب من استخدام ما يشير أو يشعر
بنوعها. ملتزما بما ترسخ في علاقات الغرب مع العالم الإسلامي، إذ يحاربون
بروح دينية، وقد يستثيرون شعوبهم بها كما فعل بوش، ولكنهم في الآن ذاته
يغلفون هذه الحروب الدينية بأغلفة علمانية.

منذ
بدايات حياة علي كانت عنده أسئلة ثلاثة: "ماذا يمكن أن أعرف؟ ماذا يجب أن
أفعل؟ وبماذا يجب أن آمل؟ فاهتم بالمعرفة، ثم بالعمل، وكان واقعيا في
آماله؛ وتميز بسعة الثقافة، مع حياة عملية لا عزلة معرفية فيها "لم يكن
متفلسفا منعزلا بل كان يهتم ويشهد ويعاني حياة الناس العامة ويندمج في
جزئيات أعمال أطفاله، كما يندمج في تفسير لوحات فنية، أو مسرحيات، أو
روايات، أو كتاب فلسفي، أو يناقش قانونا، أو يسجل ملاحظة مستبصرة على
فيلسوف كبير. في إحدى نقولاته المقارنة الجميلة ذكر إن الدنمركي ينتج غذاء
120 إنسان..

وقد أنتج لنا وعمل واستوعب هو جهود
جماعات من المثقفين، وأثمر جهده ومواهبه حرية لقومه، وغذاء فكريا للناس في
بلاده وفي العالم، ثمارا ثرة لذيذة متنوعة، يشير إلى تكوينه الثقافي
قائلا:"لقد اعتمدت اعتمادا كبيرا على القراءة بدلا من الدراسة ـ وأشار في
مذكراته إلى إستهزاء أستاذ التاريخ وكان صربيا يتندر ويستهزئي بالمسلمين
ولعل هذا مما أثار الرغبة في البحث عنده ـ عندما أصبحت في المرحلة
الثانوية فكنت أقرأ كل الأعمال الفلسفية الأوروبية الهامة وأنا لم أتجاوز
الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة.. ولم يعجبني هيجل وقتها.. أما الأعمال التي
تركت أثرا في وانطباعا لدي فكانت كتب بيرجسون، "التطور البناء الإبداعي"،
و "نقد العقل المجرد" [لكانت]، وكتاب شبنغلر انحطاط الغرب".

نجد
أن مجموعة الكتب والتراجم والاعترافات التي قرأها والأفلام التي شاهدها،
ولخص منها تمثل رقما قياسيا، وعمله السياسي والفكري والاجتماعي شاهد
للعيان على قدرته على الإطلاع الواسع وعلى الاستيعاب والإنتاج، وكان جده
في حياته في أعماله اليومية حتى اليدوية خير شاهد على تفانيه فيما يعمل
وما يحب أن ينتج أو يصل إليه، من أمثلة ذلك: أنه عندما كان يعمل في شركة
بناء ذكر أنه في فترة ما قبل افتتاح المشروع يصف جهده ووقته: "كنت أصحوا
في الرابعة فجرا وأعمل إلى العاشرة ليلا".

كان صاحب
حضور سياسي واجتماعي مستمر في أحداث بلده، مع حضور ومعرفة بالقضايا
الدولية وموقع بلاده منها؛ وكأنه يعمل على طريقة: "اعمل محليا و فكّر
عالميا". وكان واسع الأفق تحدث عن هذه السمة من عرفه، ويراها عيانا من
يقرأ كتبه، فهو قادر أن يمزج الملاحظة الفنية بالنفسية بالسياسية،
وباللغوية وبتدبر مصائر الأمم الكبيرة عبر القرون الخالية.

ومرت
عليه السنين والسجون القاسية والمذابح، وأخذت من قوة بدنه، ولكنها زادت من
وعيه، ومن نضجه، ووسعت أفقه وسمو روحه، فكأنها كما قيل:

وأرى الليالي ما طوت من قوتي *** ردته في عظتي وفي إفهامي

إن
نباهته وعزيمته وحميته، وحرصه على تحرير فكره وأمته، وعلى معالي الأمور
صنع له أعداء حاقدين فوق ما تخيل، وكأن نيتشة يصفه كما نقل هو عنه: "وما
الإنسان الذي يكرهه الشعب كره الكلاب للذئب إلا صاحب الفكر الحر، عدو
القيود، الذي لا يتعبد ـ للناس ـ ولا يلذ له إلا ارتياد الغاب".

قد
تكون عبارة نيتشة مبالغة، غير أنها ليست بعيدة عما أضمر له الصرب
الفاشيون، ولا تبعد من حقيقة طباع بعض الناس، فالراكدون والمنتفعون
والمتعصبون يكرهون الرجال الأحرار، لأنهم يحرجونهم، ويوقفونهم على حقيقة
حال يعرفونه ولا يحبون كشفه، لما يسبب لهم من حرج أخلاقي مع أنفسهم ومع
الناس. ينقل لنا علي عزت ذلك النص ويسكت!! وإنك لتجد هذا المثقف المتحضر
شجاعا مرتادا لغاب الفكر المتوحش، تأمنه لما تعرف من إيمانه، وتخشى
مغامراته المرعبة مع الجميع، لا يقف عند كبار المفكرين، ولا كبار
الفنانين، بصيرا بالعقول والأرواح، فقراءة فكره لا تخلو من مغامرة، تعود
بحلاوة ولذة، وربما تبقى معك العمر كله…(يتبع)..

Advertisements
This entry was posted in Muslim Affairs. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s