انفراد العصر: ملخص آخر إصدارات المفكر محمد الأحمري.. ‘نبت الأرض وابن السماء .. الحرية والفن عند علي عزت بيجوفتش’ 4/4

انفراد العصر: ملخص آخر إصدارات المفكر محمد الأحمري.. ‘نبت الأرض وابن السماء .. الحرية والفن عند علي عزت بيجوفتش’ 4/4
16-3-2010
إن
السجين الذي فقد ثقته في مستقبله وفي المستقبل عامة يكون قد حكم على نفسه
بالفناء، وهو مع فقدانه للثقة في المستقبل، يفقد تماسكه المعنوي؛ ويكون
بذلك قد ترك نفسه للتدهور، وأصبح عرضة للانهيار العقلي والجسمي، وعادة ما
يحدث ذلك فجأة، في شكل أزمة، أعراضها مألوفة لنزلاء المعسكر أصحاب
الخبرة.. وهناك علاقة بين الجسم وبين حالة العقل، توافر الأمل والشجاعة
وفقدانها، فعندما تصير الثقة في المستقبل منعدمة تصبح إرادة الحياة
مشلولة.. وتقل المناعة ويقع الجسم ضحية للمرض. ثم ذكر المؤلف قصصا لوفاة
الذين يضعف إيمانهم بالله، أو ليس لديهم أمل يتعلقون به، أو أسرة أو حبيب
يعملون له شيئا في قادم الأيام. وهكذا يرى الإنسان سعادته في امتداد
الزمان، وخروجه من ضيق المكان، ليتسع العالم أمامه، فعمله الخالد بعده هو
أو ذريته بعده، هو ما يحرص عليه ـ عليهم ـ عبر الزمن القادم المختلف.

ملاحظة: تنفرد
(العصر) بنشر ملخص القسم الأول من كتاب "نبت الأرض وابن السماء: الحرية
والفن عند علي عزت بيجوفتش"، لمؤلفه المفكر الموسوعي الدكتور محمد حامد
الأحمري، الذي قدم أغلبه كمحاضرة، وقد اهتم هذا القسم بمفهوم الحرية
وظروفها عنده، والقسم الثاني كان دراسة عن الفن عنده، وقد صدر عن مكتبة
العبيكان في 127 صفحة. 1431هـ 2010م، والكتاب بحث في الحرية والفن، كما
يرى الإنسان بيجوفتش ملخصا في عنصر ترابي مادي أو أرضي، فهو نبت الأرض،
وتلك الروح السماوية المتعالية المتطلعة للسماء.

* ملاحظات:

ـ
كانت الديانات ضربا من الحرية، وقد حاول المستبدون عبر القرون تحطيمها
لتخدمهم ولتذل الناس، حاولوا أن يجعلوا من الدين سجّانا آخر، وحاولوا أن
يجعلوا من الثقافة سجنا أضيق، وجاءت الكشوف الجغرافية العظيمة وتطور السفن
والطباعة والمحركات البخارية ففتحت العقول للحرية أكثر، ولكن المستبدين
كانوا يستبقون هذه الآلات لتكون سجونا أو مساعدة للسجون، واليوم جاءت
الفضائيات بابا للحرية فكان تهديد المتحدثين ومتابعة وقتل الصحفيين شعار
وممارسة أعداء الحرية، ولهذه الحرية الجديدة ـ كما تبدو ـ باب خطر آخر على
الحرية وهي أن يسبح الإنسان في فضائها هاربا من واقعه، فيقل أثره في
مجتمعه، وتصبح الحرية فراغا نطير فيه تهريجا، ثم نهبط إلى الأرض فنجد
الكبت والتخلف يخنق الحرية الحقيقية، ويحاصر الكرامة الإنسانية، ويؤذن
بعالم من التفاهة السابحة في الفضاء.

ـ إن الاهتمام
بالأمن لا يعني تقليص الحرية، فضلا عن غيابها، فالحرية يمكنها أن ترسخ
الأمن والثقة في الناس، وتنصّب المجتمع مجتمع وعي ونباهة لمصالحه، مجتمع
شهود واستقامة، والأمن لا يعني غياب دور المثقف الحر، بل بغياب المثقف
الحر المستقل يسود الظلام والخوف، وتتبلد الحياة، وتغيب الأخبار، وتندر
التحليلات الجريئة الرائدة، ويظهر الخائف والبخيل والجبان، فتسود ثقافة
الخوف، وينفتح الطريق لغزاة لا يرحمون.

ـ التحرر
الثقافي، يعني توسيع الموارد الثقافية، و الخلاص من التقليد، ومن الغرق في
تفصيلات يسلم المثقف بجلَها، في البدء، ثم تكثر المسلمات، فيضعف الالتزام
بها، مثل القوانين كثرتها تقلل من أهميتها، وتسبب إهمالها، والشك فيها.
جاء في الحديث: "إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على
أنبيائهم"، ورغّب الرسول صلى الله عليه وسلم في ترك الأسئلة، الافتراضية
الآرائيتية التي تضيق على الناس مستقبلا، وقلل صلى الله عليه وسلم من
النجوى، وطلب قبلها صدقة لتقل. ولأن النجوى تغرس مفاهيم خاصة، وشعورا
ببناء مفاهيم خاصة للبعض، تميزهم عن عموم الأمة.

ويُفهم
من النصوص، الرغبة في قلة القوانين، والناس من عادتهم أن يبحثوا عن "راحة
العقل"، وأن تكون كل قضية قد حسمت بحكم، وانتهى كل رأي وكل جدل، وكان
الرسول صلى الله عليه وسلم يخالف هذه الشهوة، ولكن الناس يتعاملون مع
كبارهم دائما بهذه الطريقة، وإنك لو تأملت حرص بعضهم على سؤال كبار الذين
اشتهروا بالعلم، لوجدت أن النزعة والسبب غير المعروف أو غير المعلن: "نزعة
ضعف عقلي"، تريد من الشيخ أن يريح الناس من التفكير في كل شيء إلى أن تقوم
الساعة، وهي النزعة التي تصدمك دائما بأن كل شيء قد حلت مشكلاته وأجيبت
أسئلته، وانتهى أمره، وتلك من أوهام المبتدئين في دروب المعرفة.

وسبيل
المعرفة والتحرر والوعي هو الركون إلى أصول صامدة قوية، قليلة وبانية
ومؤثرة، فمثلا ما يوجزه العلماء تحت مسمى الإسلام والإيمان والإحسان،
وحوادث السيرة الكبرى، كافية عن الغرق في الجدل الجزئي. مثال ذلك، بعض ما
أوردته الكتب التفصيلية الفقهية في موضوع: "أولى الناس بالإمامة"، حتى
تكاد أن تكون معيبة لقارئها فضلا عن كاتبها، فالبحث الزائد عن الحاجة مع
عقل مستقيل، يسبب بناء للشذوذ والمضحكات.

ـ كما أن
المسلم المعاصر بحاجة إلى الانفتاح على مفكري المسلمين الذين قد يرى بعض
المشايخ أن عندهم أخطاء، فليس صحيحا أن تقف عند بعض أقوال المشايخ، فجهود
كبار مفكري الأمة خير من الاقتصار على ضعاف مقلدين وإن كانوا في رأيك
مأمونين، فقد يكون ضعفهم العلمي أو العقلي وقلة مغامراتهم المعرفية هي سبب
نيلهم للثقة من العامة؛ لأنهم لا ينيرون فكرا ولا يبعثون وعيا ولا نقاشا
مفيدا، جديرا بالتأمل والمدارسة. إنه إن لم تبعث بيننا ثقافة كبار مفكري
الإسلام فسوف يضعف من نحب له الوعي والقوة، أو يقع في ثقافة معادية
تستتبعه.

ـ ولدى الحزبية الإسلامية والحزبية
العلمانية جوانب مشتركة، كانت كارثة على العقل المسلم، فالإسلاميون
والقوميون والشيوعيون في عالمنا عندهم داء مشترك، وهو إرث ورثوه فوق
طاقتهم أن يتخلصوا منه، وهو: "إنا وجدنا آباءنا على أمة"، فهذا الذي جاء
متوقعا أن سينقذنا ورّطنا، فبدلا من أن يخرجنا من التقليد أركسنا فيه،
وبدلا من أن يعطينا تفهما ووعيا وممارسة جديدة، أعطانا إرثا، وألزمنا
بالعمل فيه. وقد يكون من المخارج التي ربما تساعد أن تكتفي هذه الأحزاب
بالولاء، وتتخلص من التماثل الثقافي، هذا التشابه الذي يقضي على التنوع،
ويقتل الإبداع! قد لا يبدو هذا ممكنا الآن! أو لعله مجرد أمنية، ذلك لأن
العداء على قاعدة الخلاف الحزبي تجعل الموالي ضعيف العقل مقدّسا، والمخالف
للحزب مهما تكن قدراته مهجورا شرعاً، أو مفصولا مخونا حزبيا، ويحضرني هنا
مثال من حزب البعث، فـ"منيف الرزاز"، الذي قُدِّم عليه عفلق كثيرا، مع أنه
لا تناسب بين القدرتين، وبقراءة أعمال الرجلين يتضح الفارق بينهما، ومن
الإسلاميين قُرئت كثيرا كتب الجندي وسعيد حوى والألباني، وروّج لها كثيرا،
ولأقل منهم، بينما هجر الإسلاميون مفكرين كبار مثل الطاهر بن عاشور، ومالك
بن نبي وإلى حد ما المودودي، لأنه لا أحزاب لهؤلاء تروج لهم، فغابت
معارفهم، وعاش الأتباع على رث الثقافة وسقيمها.

إن
الهروب من الحرية عجز عن حمل الأمانة، وتخل عن المسؤلية، ونزول عن معارج
الإنسانية، يرى فروم سببه العجز واللاجدوى، والحقيقة أن الشعور الدائم
بالعجز واللاجدوى "العبث" هي أخطر سموم المجتمع.

يقف
علي على ذرى التأملات، النهائية محبا لزمانه، ووفيا لعصره ومعاصريه، يقول:
"هذا عصرنا. إنه صعب ولكنه ممتع إلى ما لا نهاية. يمكننا أن نتحسر بأنه لم
يكن سهلا، ولكننا لم نملّ منه. يمكنني أن أتحسر لأنني لن أعيش حتى أرى
الخاتمة. إنني أتحدث عن الموت. وربما لا تكون هناك خاتمة أو موت. فقد تغلق
عين ترى ذلك من حولها، ولكن الحياة ستستمر. ولادة جديدة، عيون جديدة تفتح
على غرار الإزهار عقد جديد، وهكذا بلا نهاية. إلهي.. أنت كبير، وكبير هو
العالم الذي خلقته!!"..

* هل السعادة هجرة إلى الداخل أم إلى الخارج؟

يرى
هرمان هيسهه: أن "حياة كل إنسان عبارة عن طريق نحو نفسه"، وقد تفهم قوله
على أنه رحلة من الخارج إلى الداخل، فهو كما يقول: "توقفت عن توجيه أسئلتي
إلى النجوم والكتب"، فكأن العمر رحلة تسير من بعيد في دروب قادما من بعيد
عائدا إلى أعماق الروح، ولعل هذا لتأثر هرمان هسه بفلسفة الهند الروحية
المتجهة للتأمل الداخلي.

أما برتراند راسل في
انتصار السعادة (بحسب الترجمة التي قرأتها وإلا فله عنوان آخر في ترجمة
أخرى: السعادة)، فيرى السعادة هجرة من الداخل، ومن ظلمات الحزن والكآبة
والفردية إلى العالم الخارجي. ويرى أن استغراق الإنسان في المنافع القريبة
والأنانية لنفسه تضعف الإنسان، وكلما خرج الإنسان وقلل من تهالكه على
منافعه كسب روحه وعقله؛ يقول: "أحد مصادر التعاسة والإعياء والشد العصبي
هو انعدام القدرة على الاهتمام بأي شيء ليس له أهمية عملية في حياة الفرد
الخاصة، ونتيجة ذلك أن العقل الواعي لا يستريح من عدد قليل من أمور معينة
كل منها ربما يشتمل على بعض القلق، وبعض عناصر الانزعاج، ولا يتاح للعقل
الواعي أن يستلقي مستريحا على الإطلاق إلا أثناء النوم بينما تنضج أفكار
تحت الوعي حكمتها تدريجيا، وتكون النتيجة هي الاستثارة، وانعدام الفطنة،
والانفعال وفقدان حاسة التناسب [ربما التوازن]، وكل هذه الأمور هي مسببات
وآثار للإعياء. فكلما أصبح الإنسان أكثر تعبا خبت اهتماماته الخارجية.
وبينما هي تخبو يفقد هو تدريجيا التفريج الذي كانت توفره له ويصبح أشد
تعبا. وهذه الدائرة الخبيثة لن تنتهي إلا بالانهيار".

العقل
الغربي عقل يذهب إلى الخارج، وينفتح على الآفاق، ويعالج الكون، وبرتراند
رسل تجل لهذه المذهبية، وللطبيعة الحية المتقلبة المتغيرة كثيرا في الغرب
علاقة بهذا الوله بالخارج الحي المتقلب، وللجو ولليل المظلم البارد الموحش
الطويل، وأثره في الداخل في البيت وفي النفس علاقة بذلك، وقد كانت للرواية
الطويلة والأقاصيص الخيالية كـ: أقاصيص كنتربري أو "كنتربري تيلز"، التي
تقطع ليل الشمال الطويل علاقة بالبيئة والجو، وبالنفس والحياة المحيطة
المحبطة. ثم يأتي نهار طويل معتدل يخرج الإنسان إليه أسباب كثيرة، تعيد
للخارج بهجته وشوقه. وهذا نداء القرآن، (قل سيروا في الأرض) و(أنظروا)
تتكرر كثيرا، أما فلسفة التصوف الشرقي، فإنها تتجه إلى الداخل، وإلى طمأنة
النفس والسكون الطويل، وكأن الخمول عندهم مبعث الحكمة.

وهل
كان لموضوع السجن عند علي عزت أثر في التذوق للخارج والاستمتاع به أكثر من
الرحلة للداخل؟ لنقرأ هذا النص لفرانكل الذي سجن ـ لكونه يهوديا ـ زمنا في
"آشفتز" سجن هتلر المريع، يقول: "وكلما صارت الحياة الداخلية للسجين أكثر
عمقا، صار السجين أيضا أكثر نزعة إلى أن يخبر جمال الفن والطبيعة بطريقة
لم يعهدها أبدا من قبل. فبتأثيرهما كان ينسى في بعض الأحيان ظروفه الباعثة
على الفزع. ولو أن شخصا ما كان قد رأى وجوهنا في الرحلة من آشفتز إلى
معسكر بافاريا حينما شاهدنا جبال سالزبورج بقممها المتألقة في أشعة الشمس،
من خلال النوافذ القليلة المدعمة بالقضبان في عربة السجن، فإنه لن يصدق
أبدا أن تلك كانت أوجه أولئك الأشخاص الذين سبق لهم أن فقدوا كل أمل في
الحياة والحرية. وبالرغم من ذلك العامل أو بسببه فقد استولى جمال الطبيعة
على أفئدتنا، بعد أن كنا قد افتقدناه مدة غير قصيرة.. ذات مساء حينما كنا
نركن إلى الراحة على أرض كوخنا، وقد أضنانا التعب ونحن ممسكون بأقداح
الحساء في أيدينا، دخل علينا أحد الزملاء مندفعا وطلب منا أن نهرع إلى
الأرض المحيطة بنا لنرى المنظر العجيب لغروب الشمس. وقفنا خارج الكوخ،
وأبصرنا السحب تتقد في الغروب، والسماء كلها تتألق بالسحب التي تتغير
أشكالها وأنواعها باستمرار، من اللون الأزرق المشوب بالرمادي إلى اللون
الأحمر الدموي.. قال سجين آخر: كم يمكن أن تكون الدنيا جميلة".

إن للسجين عينا أخرى يرى بها العالم، لا يعرفها من لم يجرب تجربة هؤلاء.

* الأمل والمستقبل للسجين:

لست
أعرف سر قراءة عدد من الكتب في موضوع واحد في وقت واحد تقريبا، دون أن
أخطط لذلك، أولها: "تلك العتمة الباهرة"، للطاهر بن جلون، وإعادة قراءة:
"هروبي إلى الحرية"، فكتاب علي عزت بيقوفتش، الذي زاد تفوقا على كثير من
الكتب العالمية المشهورة في مذكرات السجناء، والتي يعد كتاب: "الإنسان
يبحث عن المعنى" لفرانكل من ألمعها وأوجزها، وفيه لمحات استبصار جميلة،
وكتاب الساعة الخامسة والعشرون، قرأته قديما جدا، ولم يبق في الذهن إلا
مشاهد باهتة بعيدة، وهو أيضا من مذكرات السجناء اليهود في الحرب العالمية
الثانية، وقبلها أتذكر مذكرات زينب الغزالي، بما فيه من حقائق أو مبالغات
موحشة، وروايات منها: "القابضون على الجمر"، وكتاب: "مشي طويل للحرية"
لنيلسون مانديلا، من أطرفها، أما كتاب علي عزت فهو أعمقها، وليس من الصواب
حجر الكتاب في أدب السجون، لأنه يتجاوز موضوعا ومحتوى كل أدب السجون.

"أصحاب
الحياة العقلية الغنية ربما عانوا الكثير من الألم (وغالبا ما يكون
تكوينهم رقيقا)، إلا أن درجة تعرض ذواتهم الداخلية للأذى كانت أقل، فكان
بمقدورهم أن يتخلوا عن الواقع المفزع المحيط بهم إلى حياة من الثراء
الداخلي والحرية الروحية"، ثم يذكر من تحايل النفس والسجناء على الحال
السيئة، العودة للماضي الذي يجد فيه السجين فسحة من الحاضر المؤلم، فيبحث
عن البلادة مهربا، أو اليأس وسيطرة الجبرية، أو يبحث عن المرح، وعن الحب
وتذكره، (على الرغم من ضعف الدافع الجنسي لدى السجين) أو الغلو في توقع
الحرية، والأمل والمستقبل.

ويصف علي بعض أحوال
النفس السجينة: "يقدر [السجين] أن يتسلى بأفكاره ولعبة الفنتازيا، بينما
يكون جسده داخل الشبكة إلا أن روحه تكون مع أحبائه، ويمكنه في الخيال أن
يشاهد عرضا مسرحيا أو أن يرحل إلى بلاد بعيدة.. وتتألم الروح مثل الجسد
وفي بعض الأيام تظهر جميع الندوب على الروح، وكل الأوجاع القاسية، والتي
هدأت مع مرور الوقت، كما تظهر قبل الأيام العاصفة بعض الرضات القديمة، أو
يتوجع العظم من ضربة كانت قد حدثت أثناء الحياة الطويلة، ونسيت في تلك
الأيام تكون بمزاج سيء، ومحاصرا بذاتك وروحك، التي فتحت جروحها، لكي تذكرك
بأن لا شيء يضيع، ولا شيء يختفي، حتى أقل الآلام والذكريات البشعة، إنها
تخبو فقط، وتنسحب إلى أعماق مجهولة".

كيف لا ييأس
السجين وهو يرى الأهوال، ثم يسمع قول السجان يصرخ في المساجين بعد أن
شاركوا في دفن أحد زملائهم، والتقط أحدهم حشيشا من الأرض في فمه، وهمّ
الآخر بأن ينتحر: فيهددهم السجان بما يرون بأعينهم ليس بعيدا عنهم "إنها
المرة الأخيرة التي تخرجون فيها. لم يعد هناك شيء اسمه دفن انتهى انتهى،
لن تغادروا زنزاناتكم بعد اليوم.. لن تغادروها إلا وعيونكم مطفأة، أقدامكم
أولا، وأجسامكم مغلفة بجراب من البلاستك"، مثلما في ملحمة مانديلا "مشي
طويل نحو الحرية"، نجد أن الحفاظ على الزمن كان هما كبيرا للمسجون، فهو
حفاظ على العقل أيضا، وكان يخطّ على الجدار خطاً عن كل يوم بأي وسيلة،
ليحافظ على معرفته بالزمن، ووجدنا المساجين في سجن "تزمامارت" يكلفون
أحدهم بالحفاظ على الزمن، ومعرفة الوقت، فمن أكبر الأخطار التي يتعرض لها
السجين فقدان قيمة الوقت؛ ففي السجن تحدث خبرة خاصة للزمن، و"تبدو الوحدة
الزمنية الصغيرة (اليوم) والمليئة بالرعب والإرهاب والتعب على أنها بلا
نهاية. وربما تبدو وحدة زمنية أكبر، ولتكن أسبوعا على أنها فترة قصيرة
وتمر بسرعة بالغة.. وقد كان زملائي يوافقونني حينما أقول إن اليوم في
السجن يستغرق وقتا أطول من الأسبوع.

وأيضا يقول عن
الوقت والاهتمام بالمستقبل: "الإنسان الذي كان يدع نفسه تتهاوى لأنه لم
يستطع أن يرى لنفسه أي هدف مستقبلي، كان يجد نفسه مغمورا بأفكار لأمور
قديمة.. إنه يرنو إلى الماضي، لكي يساعده على جعل الحاضر بكل ما يتضمنه من
رعب أقل واقعية. . ومن الطبيعي أن قلة من الناس يكون في مقدورهم أن يصلوا
إلى مستويات معنوية عالية عظيمة.. الخاصية المميزة للإنسان أنه يستطيع أن
يحيا بواسطة تطلعه للمستقبل..

إن السجين الذي
فقد ثقته في مستقبله وفي المستقبل عامة يكون قد حكم على نفسه بالفناء، وهو
مع فقدانه للثقة في المستقبل، يفقد تماسكه المعنوي؛ ويكون بذلك قد ترك
نفسه للتدهور، وأصبح عرضة للانهيار العقلي والجسمي، وعادة ما يحدث ذلك
فجأة، في شكل أزمة، أعراضها مألوفة لنزلاء المعسكر أصحاب الخبرة.. وهناك
علاقة بين الجسم وبين حالة العقل، توافر الأمل والشجاعة وفقدانها، فعندما
تصير الثقة في المستقبل منعدمة تصبح إرادة الحياة مشلولة.. وتقل المناعة
ويقع الجسم ضحية للمرض. ثم ذكر المؤلف قصصا لوفاة الذين يضعف إيمانهم
بالله، أو ليس لديهم أمل يتعلقون به، أو أسرة أو حبيب يعملون له شيئا في
قادم الأيام.
وهكذا يرى الإنسان سعادته في امتداد الزمان، وخروجه
من ضيق المكان، ليتسع العالم أمامه، فعمله الخالد بعده هو أو ذريته بعده،
هو ما يحرص عليه ـ عليهم ـ عبر الزمن القادم المختلف.

Advertisements
This entry was posted in Muslim Affairs. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s