لماذا تخلف العرب ونهض اليابانيون؟؟

                          لماذا
تخلف العرب ونهض اليابانيون؟؟

 

 

خدمة كامبردج بوك ريفيوز


يفسر البعض تخلف مصر ونهضة اليابان رغم تفوق مصر في مقومات النهضة، إلى أن
اليابان لم تتخل عن تراثها, ولم تتبن أياً من المبادىء الغربية لتجعلها
قواعد ثابتة، بل اختارت منها فقط ما يتلاءم مع مكونات مجتمعها

لماذا نهضت اليابان وتخلفت مصر في حين أن مصر كانت أكثر
تطوراً وتحديثاً وأقوى اقتصادا من اليابان في النصف الأول من القرن التاسع
عشر؟ وكيف تغلبت اليابان على كل التحديات الخارجية واستطاعت أن تفلت من شراك
التغريب مع النجاح في تبني التحديث, فيما مصر وبقية دول العالم الثالث انزلقت
إلى التغريب أثناء عملية التحديث؟ وما معالم الدرس الياباني خلال قرنين من
الزمان حيث التعثر, ثم النهوض, ثم التعثر والنهوض ثانية. وكيف يستفيد العرب
اليوم من ذلك الدرس العميق والبالغ الأهمية في إحداث نهضة طال انتظارها؟ هذه
الأسئلة الصعبة والمتشعبة هي جزء مما يتصدى له مسعود ضاهر, المؤرخ اللبناني
والأستاذ الزائر لجامعة طوكيو في أكثر من فترة, في هذا الكتاب القيم الذي هو
خلاصة سنوات من البحث والتأمل والانخراط في أعماق التجربة اليابانية.

غلاف الكتاب

اسم الكتاب: النهضة العربية والنهضة اليابانية:
تشابه المقدمات واختلاف النتائج.

المؤلف: مسعود ضاهر.
عدد
الصفحات:
375صفحة.
الطبعة: الأولى- 1999م
الناشر: سلسلة عالم المعرفة – الكويت.

أوجه المقارنة بين مصر واليابان
لكن لماذا المقارنة بمصر, وهل
ثمة مشروعية أكاديمية وتاريخية لعقد مثل هذه المقارنة؟ يجيب ضاهر على هذا
السؤال بالإيجاب, إذ يرى أن كلتا التجربتين خضعتا لظروف تاريخية متشابهة منذ
النصف الأول من القرن التاسع عشر. فهناك الرقابة الأوروبية على البلدين, وهناك
الضغوطات الغربية لفتح البلدين أمام الغرب, اقتصادا ورساميلاً وجيوشاً, وهناك
معضلة الصراع بين الثقافة المحلية والتقاليد من جهة وعناصر الحداثة والتحديث
الوافدة مع المشروعات الغربية من جهة أخرى. ثم إن هناك الجهود اليابانية
لدراسة التجربة المصرية في النهوض على يد محمد علي وخاصة ما يتعلق بسياسة
القروض التي قادت إلى احتلال مصر, وهي السياسة التي ابتعد عنها اليابانيون. ثم
أخيراً هناك النجاح الهائل للنموذج الياباني الذي أفلح بالإفلات من قبضة
الانقياد الكامل للنموذج الغربي الكامل في النهضة والتقدم, وإحداث تنمية ونهضة
تعتمد على اقتباس التكنولوجيا العصرية من دون استيراد الثقافة الغربية,
وبالتالي التحديث من دون التغريب. وهذا النجاح شبه الفريد في العالم يحتاج من
العرب إمعان النظر فيه خاصة وأن إشكالية التحديث والتغريب ومعادلة الإبقاء على
الأصالة والثقافة المحلية في مواجهة النموذج الغربي لاتزال تزداد إلحاحاً على
أجندة فكر النهضة بقديمه وجديده.

لماذا تخلفت مصر ونهضت اليابان؟


في النصف الأول من القرن التاسع عشر
كان ما ينتجه الهكتار الواحد من القمح في مصر يعادل ما ينتجه مثيله في فرنسا
وألمانيا، ويزيد عما كان ينتجه الهكتار في أوروبا الشمالية والشرقية والوسطى

يقارن ضاهر في المعطيات الأولية لنقطة
"الانطلاق" في مصر واليابان في النصف الأول من القرن التاسع عشر,
فيرينا أن شبكة السكك الحديدية المصرية كانت أكثر شمولاً من تلك اليابانية,
ويلحظ وجود تجانس مصري في التكوين السكاني المصري يغيب نظيره في الحالة
اليابانية المتعددة الإثنيات واللغات. ويشرح أن مصر بحكم الجغرافيا والتاريخ
بلد سهلة الحكم إذ تداولت عليها حكومات مركزية ظلت تتداول الحكم في البلاد على
مدار ستة آلاف سنة, بعكس اليابان المشتتة جغرافيا والعصية على التوحد. كما أن
مصر تمتعت بفائض زراعي ضخم في تلك الفترة حيث عادل ما ينتجه الهكتار الواحد من
القمح ما ينتجه الهكتار في فرنسا وألمانيا, وتجاوز ما ينتجه الهكتار ما تنتجه
نفس المساحة من الأرض في أوروبا الشمالية والشرقية والوسطى. إضافة لذلك فإن ميناء
الأسكندرية كان أفضل موانىء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا, وكانت مصر عرفت السكك
الحديدية قبل السويد وبولندا واليابان بوقت طويل (ص 18-19). لكن رغم تلك
البدايات فإن مصر هي التي تخلفت واليابان هي التي نهضت, والسبب في ذلك كما
يقتبس المؤلف عن مؤرخين يابانيين يعود إلى أن اليابان "لم تتخل عن تراثها الثقافي التقليدي, ولم
تتبن أياً من المبادئ الغربية لتجعلها قواعد ثابتة في الحياة اليابانية.
فاستفادت من مقولات فلسفية ونظم غربية متنوعة, لكنها لم تتبنها كما هي بل
اختارت منها فقط ما يتلاءم مع مكونات المجتمع الياباني. ونتج عن ذلك أن
اليابان حافظت على استمرارية المبادىء الروحية إبان عملية التحديث, وبناء
الركائز المادية للمجتمع الياباني على قاعدة الاستفادة الدائمة من العلوم
العصرية المتطورة."

تفترق التجربة التاريخية لليابان في نمط علاقتها مع
الغرب عن نظيرتها العربية والإسلامية باعتمادها سياسة العزلة الطوعية التي
دامت حوالي القرنين حتى أواسط القرن التاسع عشر. وكانت تلك السياسة ناتجة عن
الأثر الذي تركته الإرساليات التبشيرية المسيحية الغربية التي عملت على تنصير
مئات الآلاف من اليابانيين في الحقبة التي سبقت العزلة, وما استشعرته الحكومة
اليابانية من مخاطر جراء ذلك متمثلة في تباعد المتنصرين الجدد على الدولة
وتحول ولائهم إلى الغرب، فعملت على منع الديانة المسيحية وتدمير ما بناه
المبشرون خلال عقود طويلة, وانكفأت على ذاتها. في المقابل فإن العلاقة العربية
والإسلامية بالغرب ظلت مفتوحة حتى في أوج مراحل الصراع الدموي بين الطرفين.
وظل الانفتاح (الاقتصادي, الثقافي, الاتصالي, إلخ …) مثل القناة التي يجري
تيار التغريب من خلالها ويشتغل على مستويات عدة في العالم العربي والإسلامي.
وتوازى ذلك مع عملية التحديث التي قامت بها النخب الرسمية الحاكمة على
المستويات العليا في الإدارة والتنظيم والتعليم.


عملت البنية الاجتماعية لليابان – بعكس الحالة العربية – على تدعيم وسائل
المقاومة للتأثيرات الغربية, خاصة من جهة تسهيل الاندماج المديني للشرائح
الريفية الوافدة إلى المدن وتكريس ولاءاتها القبلية والمحلية الضيقة لصالـح
الولاء اليابان

يرى ضاهر أن السلطنة العثمانية وولاياتها وكذا اليابان
كانا يعيشان ذات الهاجس والخوف من هجوم استعماري غربي على كل منهما على حدة
منذ أواخر القرن الثامن عشر، غير أن الاختلاف الكبير تمثل في أن السلطنة كانت
على تماس حدودي ومباشر مع القوى الغربية مما جعلها معرضة للضربات العسكرية
المباشرة. في المقابل كانت اليابان بعيدة عن التجاور اللصيق مع الغرب من ناحية
وتخضع للعزلة الطوعية من ناحية ثانية الأمر الذي وفر لها حماية طبيعية من
الهجمات العسكرية الغربية المتتالية. ومن هنا فإن عامل الضغط الخارجي الغربي
كان أفعل تأثيراً, لجهة سلبية طبعاً, في حالة السلطنة العثمانية وما تلاها من
أجزاء مفتتة من الوطن العربي والإسلامي منه في الحالة اليابانية. (ص 82). من
جهة أخرى لعب عامل البنية الاجتماعية في اليابان, بعكس الحالة العربية, على
تدعيم وسائل المقاومة اللاحقة للتأثيرات الغربية, خاصة من جهة الاندماج المدني
للشرائح الريفية الوافدة على المدن والمتخلية عن ولاءاتها القبلية والمحلية
الضيقة لصالح ولاء عام يخص اليابان بشكل عام. وكما يلاحظ المؤلف فإن
"المدن اليابانية هي التي ساهمت في ولادة وتطور المجتمع الياباني الحديث
والمعاصر حين تخلى الوافدون إليها عن كثير من عاداتهم وتقاليدهم الريفية
لمصلحة تقاليد وعادات المدن، وأبرزها المساواة والإخاء وتجاوز الكثير من
التقاليد الريفية الموروثة لمصلحة قيم المواطنة واحترام الآخر بمعزل عن
انتمائه الاجتماعي, وقد عرفت تقاليد المدن في الدراسات اليابانية باسم
"الإخوة المدينية" (ص 180).

درس النهضة الياباني
يرى ضاهر أن الدرس الياباني
العميق في النهضة يتجسد في عدة مجالات جديرة بأن تكون العبر التي يستفيد منها
العرب (وكذا الأتراك الذي خلفوا السلطنة العثمانية), ومن هذه المجالات ما
يأتي:

  • أولاً: مركزية دور القيادة
    السياسية في حركة التحديث, وهو دور لا يمكن تهميشة أو تحويله إلى شرائح
    أو لاعبين آخرين في المجتمع.
  • ثانياً: حسم صراع القديم
    والجديد, وهنا يقارن المؤلف بين فشل تجربة محمد علي في كسر شوكة الطوائف
    والقبائل والقوميات المختلفة ودمجها في مشروع وطني (جيش موحد, أنظمة
    إدارية تنظم العلاقات وتتجاوز القديم, …), مقابل نجاح اليابان في تطوير
    نظم اجتماعية نقلت الجوانب الإيجابية من النظام القديم بسلاسة إلى مرحلة
    التحديث وتواءمت معها.
  • ثالثاً: يشير ضاهر إلى
    مخاطر تحديث الجيش على حساب تحديث المجتع, مستشهداً بتجربة محمد علي الذي
    بنى جيشاً قوياً وحديثاً استنفد موارد الدولة, في حين بقي المجتمع على
    حاله المفككة والضعيفة.
  • رابعاً: ينبه ضاهر إلى
    الأثر الكبير لصيرورة انهيار الإمبراطوريات القديمة وصعود الدول القومية
    الحديثة وانعكاس ذلك على النهضة في البلدان المرتبطة بهذه التحولات.
  • خامساً: تحليل عناصر عملية
    مواجهة التحدي الرأسمالي.
  • سادسا: ضرورة ومركزية
    احترام الأصالة وحماية التراث والتأكيد على دور الموروث في إحداث عملية
    التحديث.

Advertisements
This entry was posted in Muslim Affairs. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s