المدنية.. والتراجع عنها

المدنية.. والتراجع عنها
19-4-2010
تركي العردان / الرياض
نقاش
الأفكار بالهدوء والمنطق، أولى من إطلاق العاطفة في النص، وإن كان مما
يؤخذ على الصحوة والسلفية أنها تصنع خصومها، فإن دعاة المدنية اليوم
يتفننون في صناعة الخصوم مع كل مقالة، والأساليب الاستعدائية تؤجج ولا
تؤسس، والعاطفة تثور فتضعف الأفكار، ومن الخسارة أن يتعب المخالفون في
النقد على أسس علمية، ثم تأتي الردود إنشائية، تكتفي بالعامل النفسي في
مناقشة الحجج والأدلة، وما أراه هو أن الكرة في ملعب حماة المدنية،
والمستمعون مستعدون للتقبل لكل فكرة عاقلة هادئة تقول كما تسمع، وترحب
بالنقد كما تدعو له. جوانحنا تطوف بها الغبطة كلما رأينا أن دعاة الحرية
في أوطاننا هم ذوو الديانة والغيرة والشرف، وهذا وحده يختصر مسافة كبيرة
من الشك والريبة في الأهداف والغايات..

* التصوف في النقد ..

دعاة
الفكر الحق لا يتجاوزون النقد بالأعذار، ولا يشطبون المخالف بمجرد
الانطباعات والوهم، والإعراض عن نقد المخالف بتحليل شخصيته "وهياجه
النفسي".. هذا يصلح للمتصوفة والدراويش الذين لا يتحرك العقل لديهم للرد
إلا بادعاء الأحوال ورمي المعارض بالهوى، فليتركوا مثل هذه التبريرات
لجلسات العيادة النفسية، وليتقدموا إلى ميدان الفكر بالفكرة والنقاش والرد
العلمي والدليل والذهن المفتوح، هذه روح الباحث عن الحق، وغيرها مجرد
دعاية صحفية، وتأجيل لبحث الحقيقة والسعي من أجلها.

لقد
هربنا من مصطلح "النصيحة" إذ ارتبط في أذهاننا بالواجب الشرعي ومسؤولية
الكلمة والمحاسبة الأخروية ووجوب قول الحق، فأحببنا التخفف منه إلى مصطلح
"النقد"، وظنناه أقل وطأة ومسؤولية وأبعد عن المحاسبة، فإن تنصلنا من
الموضوعية في النقد وقبوله .. فلنبحث عن مصطلح جديد يحتمل ذلك.

* الحقيقيون .. لا يهدمون

والمصلح
إن رام الحق، لا يضره ما تم من منجزات على الأرض ولو كانت بيد غيره، ولا
يتوجه همه إلى التقليل منها بل إلى الإضافة والتطوير، ودعاة المدنية حتى
الآن لم يقدموا مشروعاً شمولياً يضاهي حاستهم في النقد والدعوة إلى
الشعارات، فإن كانت العقود الماضية قد أنجزت صحوة عقائدية ودينية وخلقية
واجتماعية، وجنبت برأيهم ركن السياسة، فمضمار الخيول عريض بما يكفي، دون
حاجة إلى إقصاء الغير وتهميش منجزاته، والمستقبل لا شك مختلف عن الماضي،
غير أنه لا أحد يدعي معرفته والوصاية عليه ثم يتعالى على من وضع لبنات
العزة وصفاء العقيدة وأرجع هيبة الأمة والانتماء إليها في نفوس أبنائها ..

* ليسوا سواءً..

عند
الانبهار بالفكرة الحاضرة، تغيب المتناقضات عن العقل لصالح جمال الفكرة
وأحلامها، فمصطلح مثل "الشورى"، مهما تم تشويهه وتكبيله "بالديكورات"، ليس
أفضل حالاً من "الديمقراطية" في أنصع صورها، وكأن الديمقراطية لم تكن
يوماً مسوح نصف حكام العرب، بل أظنها أكثر ما يجري على ألسنتهم عند تبرير
الديكتاتورية والاستبداد..

فتجدهم يرفعون شعار
الديمقراطية ثم يفوزون بالنسبة المئوية الكاملة إلا عشراً أو عشرين، لقد
كانت الشورى للبركة، وصارت الديمقراطية لتشريع الاستبداد وبسط النفوذ، وإن
الصبر على توضيح الشورى وتجديد آلياتها ونفي ما علّقه المستبدون بها أولى
ديانة وأقرب اصطلاحاً وأدعى للتوافق وأبعد عن محاذير الشرع من القيام في
خندق الديمقراطية، وكذلك "العدل" فإنه مصطلح كوني قرآني لا خلاف عليه،
وواجب المفكر هو الدعوة إليه والبحث في آليات تطبيقه والاستفادة من تجارب
البشر في ذلك، وذلك أولى من "الحرية" التي صارت أكبر منتج استهلاكي على
ألسنة الحاكم والمحكوم، ثم عرّفها الحاكم وأخذ منها بمقدار نفوذه، وعرّفها
المحكوم ثم لم يأخذ منها إلا بمقدارٍ لم أستطع تبينه حتى أسميه.

* الكسل العقلي.. أزمة أخرى:

فثقافة
الاستيراد مثل ثقافة التقليد، كلاهما نتاج سعي الأجيال الحاضرة إلى السكون
والإغراق في الرفاهية، وكأن تعطيل العقل عن السؤال والتمحيص ونقد التجارب
صار غاية يسعى لها، ولذلك ركن الثائرون على أوضاعنا المؤسفة إلى أقرب ما
رأوا فيه مخرجاً، ثم انتهى دور العقل عند ذلك، وبدأ الدور التنفيذي
بالدعاية وتبيان المحاسن والدفاع عن الأفكار، وليس المشقة في التنفيذ، بل
في المراجعة والنقد، والدراسة والبحث، والخروج من تبعية الفكر إلى استعلاء
القيم، كل ذلك قبل أن تصبح الفكرة واقعاً ثم نتفنن في نقده والبكاء عليه.

* تقليد الساسة ..

لقد
أطلت عصور الانحطاط على الأمة، ودشن السياسي تهميش العالم وتجاوز الشرعي،
بالنفوذ والابتلاءات والإسكات وبعلماء السلطان وخدامه، فعل ذلك لأنه أراد
الخلاص من تقييدات العالم ونقده واحتياطاته وحمايته لجناب الدين، واليوم
لم تعد مشكلة العالم والشرعي في السياسي فقط، فحماة المدنية يضيقون ذرعاً
باحتياطات الشرعي ونقده، ثم ينتقدون ضعفه لدى السياسي والساسة، وينتقدون
عصور ضعف العلماء، وإنما مكانة العالم من تمكين أمته له، وإعطائه ما هو له
من بيان الشرع، ثم طاعته في ذلك، وإن كان الشرعيون قد غرقوا في "المجادلات
الباردة" وابتعدوا عن "حرارة المطبخ السياسي"، فإن دعاة المدنية حتى اليوم
مازالوا يتحركون في هوامش النقد والنرجسية والدعوات الحالمة، على ان
الشرعيين لم يتخلوا في يوم من الأيام عن الحق ولا عن قوله، وقد دفعوا
الفاتورة وما زالوا لقول الحق والدفاع عنه وعن حقوق الامة، فالمزايدات هنا
حجب لنور الشمس ومحاولات تمويهية للاستماتة في الإقناع بالفكرة، ولوا أراد
دعاة المدنية أن يخطبوا في شوارعنا كما في "براد فورد" فليست الحركة
الإسلامية او السلفية هي من سيقف حجر عثرة لذلك كما يعلمون، فلماذا
يفتعلون المعارك في أراضٍ صديقة.

والمثقف القائم
بمسؤوليته لا ينفك عن الشرع، ولا يتعالى على خدام الشريعة، وإلا فلا
تلوموا الساسة، فإن لديهم من الأعذار أضعاف ما لديكم.

* الأمية الحضارية .. أشكال عدة ..

وأشد
أشكالها ما يصدره قلم المثقف وعقل المفكر، حين يعلن أن طريق الخلاص واحد
لا يتعدد، وأن الديمقراطية هي السبيل لا غير، وأن الحرية لا تقوم إلا
بالديمقراطية، وقد نصحوا بربط العدل بالديمقراطية، وهذه التقريرات وصاية
وحجر على عقول ينبغي أن تفتح لها الأبواب للتفكير لا أن تغلق، فعقول
السجال حول المدنية متفقة على سوء الأوضاع وقبح التبعية ورفض الاستبداد
ووجوب الخلاص من الديكتاتوريات إلى حكم الله وشرعه، وصحة دراسة التجارب
الإنسانية، وإنما الخلاف حول الأنموذج الذي يضمن الصلاح الشرعي والصلاح
الدنيوي، وعليه فالتركيز على نقطة الخلاف أولى من المزايدات على المتفقات
وكأن المخالف لا يوافق عيها ولا يتفق معها ..

* خلاصة .. وغبطة

نقاش
الأفكار بالهدوء والمنطق، أولى من إطلاق العاطفة في النص، وإن كان مما
يؤخذ على الصحوة والسلفية أنها تصنع خصومها، فإن دعاة المدنية اليوم
يتفننون في صناعة الخصوم مع كل مقالة، والأساليب الاستعدائية تؤجج ولا
تؤسس، والعاطفة تثور فتضعف الأفكار، ومن الخسارة أن يتعب المخالفون في
النقد على أسس علمية، ثم تأتي الردود إنشائية، تكتفي بالعامل النفسي في
مناقشة الحجج والأدلة، وما أراه هو أن الكرة في ملعب حماة المدنية،
والمستمعون مستعدون للتقبل لكل فكرة عاقلة هادئة تقول كما تسمع، وترحب
بالنقد كما تدعو له.

جوانحنا تطوف بها
الغبطة كلما رأينا أن دعاة الحرية في أوطاننا هم ذوو الديانة والغيرة
والشرف، وهذا وحده يختصر مسافة كبيرة من الشك والريبة في الأهداف
والغايات، ويجعلنا نطمئن أن الذين يحاربون من أجل خلاصنا كثر، وبعد مرور
عقد من الزمان على هذه الدعوات نطلب منهم تحرير مشروعهم، وبيان مفاصله،
فبذلك وحده نتبين مواطن القوة والضعف، ونقاط التوافق والاختلاف، ومن هناك
يبدأ الحوار مثمراً جاداً يصب في مصلحة الأمة.

Advertisements
This entry was posted in Muslim Affairs. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s