هامش الحرية .. والورطة أمام النص الشرعي

هامش الحرية .. والورطة أمام النص الشرعي
بقلم نواف القديمي

تابعت
باندهاش ردود الفعل على مقالي المُختصر (على هامش فتوى البراك في خالص
جلبي) الذي كان في مجمله سرداً لنصوص من القرآن والسنة، تتحدث عن هامش
الحرية المُتاح بمجتمع المدينة المنورة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام
.. ذلك أن جميع الإخوة الأفاضل الذين كتبوا ردوداً على المقال (فهد
العجلان، محمد القصاص، بدر باسعد، عبداللطيف التويجري … وسواهم)، لم يقم
أحد منهم بإيجاد تخريج علمي لهذا الكم من النصوص التي تتحدث بوضوح عن
(إعلان المنافقين لأقوال وأفعال كفرية بحضرة الرسول والصحابة رضوان الله
عليهم .. وفي المقابل عدم اتخاذ الرسول عليه الصلاة والسلام أي إجراء
عقابي تجاههم) .. حتى بدا لي وكأنما وقف الإخوة أمام ورطة حقيقية تمثلت في
عدم قدرتهم على إيجاد (مخرج تفسيري) لهذه النصوص الشرعية الواضحة
والصريحة.

وإن كنت أشكر الجميع على مشاركتهم في هذا
الحوار، وأزيد بالشكر للصديق فهد العجلان لأدبه الجم في الحوار، إلا أنه
بدا مُدهشاً أن البعض لم يجد مجالاً للرد سوى بالتشنيع وتعداد اللوازم
(التي هي لوازم للنص الشرعي، لا لكلامي!!) وسوى ذلك من أساليب سجالية لا
تليق عادة بمُحاورة علمية، حتى باتت وكأنها استدراك على القرآن!!

وأشير
بوضوح إلى أن مقالي لم يكن بحثاً استقصائياً لمسألة (حرية التعبير في
الإسلام وحدودها وضوابطها)، بل كان إشارة عابرة إلى أن المنافقين كانوا
يُعلنون كفرهم في مدينة رسول الله وعلى مسمع من بعض الصحابة الكرام، وأنه
مع ذلك فإن رسول الله لم يقتل أحداً منهم.

الغريب
أن بعض المداخلين أخذ حديثي عن هامش الحرية وكأنه في سياق (التشريع
للكفر)!! .. مع أن الآيات توالت في تسمية هذه أفعال وأقوال هؤلاء بالكفر
وتوعدتهم بأشد العقاب يوم القيامة .. إذاً فأقوال وأفعال هؤلاء هي بنص
القرآن (كفر) و(نفاق) و(صد عن دين الله).. لذلك يبدو من العبث الحديث عن
(المشروعية) .. إذا لا مشروعية لهذا الفعل .. بل هو كفر وجريمة بحق الدين
.. لكن الخلاف حول عدم اتخاذ إجراء عملي دُنيوي تجاههم .. لأنه في باب
الأحكام المُتعلقة بحقوق الله ليس كل ما هو (غير مشروع) يستوجب بالضرورة
عقاباً دنيوياً.

إذن فمنطقة الحوار تقتصر على مسألة
(الإجراء العقابي الدنيوي) على من يبدو في الظاهر أنه (مسلم) ـ أي لم
يُصرِّح بردته عن الإسلام، ولم يُبدل دينه وينتقل لدين آخر ـ ومع ذلك هو
يُقدِم علناً على (أفعال) ويصرِّح علناً بأقوال هي (كفرية) دون أي مساحة
للتأويل أو الخلاف الفقهي أو العقائدي، بل هي أقوال وأفعال كفرية بنص
القرآن الواضح البين.

سأحاول في السطور التالية
إعادة تركيب المشهد وصياغة التساؤل بشكلٍ أكثر وضوحاً عل الإخوة الباحثين
يقتربون أكثر من (منطقة الاستدلال) ومن ثم مناقشتها.

مع
أهمية التذكير بأننا نتحاور حول مسألة شرعية، تقتصر مساحة الاستدلال
الشرعي فيها على القرآن والسُنة الصحيحة وإجماع الصحابة.. لذا فبعض الإخوة
الذين يكتفون بنقل نصوص وتأويلاتٍ لبعض أئمة الإسلام خالية من الاستدلال
بالنص، فهي مقولات يجب أن يُستدل لها، لا أن يُستدل بها .. أو الإخوة
الذين يُريدون رد النصوص الشرعية الواضحة الجلية بالإشارة إلى بعض أفعال
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لأن أفعال عمر بمفردها ليست (دليلاً) إذا ما
كانت في مُقابل نصوص شرعية واضحة وصريحة .. إضافة إلى أنه بالإمكان
الاستشهاد بأفعال أخرى للخلفاء الراشدين تدل على إتاحة مساحة للحرية
العقائدية (كترك علي بن أبي طالب رضي الله عنه للخوارج الذين يُكفرون
الصحابة حين قال: لا نمنعهم مساجد الله ولا نبدؤهم بقتال).

* المنافقون يعلنون كفرهم في المدينة ..

إذا ما أردنا التذكير فقط ببعض النصوص الشرعية التي تُثبت هذا المسلك النبوي في التعامل مع المنافقين.

كان
المنافقون يعيشون في ثنايا المُجتمع المسلم، ووسط جموع الصحابة رضوان الله
عليهم، وبين يدي رسول الله، ومع ذلك كانوا يصفون الصحابة بالسفهاء:

(وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا
آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا
يَعْلَمُونَ).

وكانوا يحرِّضون الكفار على مُجتمعهم، ويدعونهم لحرب المُسلمين:

(أَلَمْ
تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُـونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ أَهْـلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ
مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ
لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).

وكانوا يكذبون على الله ورسوله:

(وَسَيَحْلِفُونَ
بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ
أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).

وكانوا يلمِزون الرسول عليه الصلاة والسلام:

(وَمِنْهُمْ مَـنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ).

وكانوا يؤذون النبي:

(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ).

وكانوا يُظهرون البغضاء للمؤمنين:

(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).

وكانوا يصدون عن رسول الله ويستكبرون عليه:

(وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا
رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ).

وكانوا يتآمرون على رسول الله:

(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا).

بل ويكفُرُون بموعود الله وحديث رسوله:

(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورا).

وكانوا يخذِلون المُجتمع المسلم في أحلك ظروفه وأزماتِه:

(وَإِذْ
قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ
فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ
بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ
فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا
الْفِتْنَةَ لأتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاّ يَسِيرا).

وكانوا أشحة على الخير، ويقذفون الصحابة بألسنة حِداد:

(أشِحَّةً
عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ
تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا
ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى
الْخَيْرِ).

كانوا يهددون المهاجرين بإخراجهم من المدينة:

(يَقُولُونَ
لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا
الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ).

وكذا
في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أن رجلاً قال للرسول عليه الصلاة
والسلام معترضاً عليه في القسمة: (اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، وإن هذه
القسمة ما أريد بها وجه الله!). فرد عليه رسول الله: (ويحك، من يعدل إن لم
أعدل؟). فأراد الصحابة ضربه، فقال عليه الصلاة والسلام: (مَعاذ الله أن
يتحدث الناس أني أقتل أصحابي).

وفي الحديث الذي
رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مُستدركه، أن رجلاً يهودياً أتى الرسول
عليه الصلاة والسلام وهو في مجلس أصحابه، وقال له على الملأ: (يا بني
عبدالمطلب، إنكم قوم مطل). فأراد عمر أن يضرب اليهودي. فقال له الرسول
عليه الصلاة والسلام: (إنا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر. أن تأمره
بحسن الطلب، وتأمرني بحسن الأداء).

ورغم أن
المنافقين كانوا يعيشون بين ظهراني الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة
الكِرام، إلا أن رسول الله لم يأمر بإسكاتهم قسراً وعِقابهم على أقوالهم.
فضلاً عن قتلهم لقولهم ما يوجِب الكفر الصريح.. بل لننظر إلى التوجيهات
الربانية لكيفية التعامل الدنيوي العملي مع هؤلاء المنافقين:

حين كانوا يرفضون حكم الشريعة ويصدون عن كلام الله:

(يُرِيدُونَ
أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا
بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدا * وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ
رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودا).

فما هو الأمر الإلهي لرسوله في التعامل مع هؤلاء:

(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغا).

وحين كانوا يكفرون ويستهزئون بآيات الله:

(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا).

فما هو الفعل الشرعي في مجتمع الصحابة لقول الكفر والاستهزاء بآيات الله؟

(فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ).

وحين كانوا يلمِزون الصحابة ويسخرون منهم:

(الَّذِينَ
يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ
وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ).

فماذا كان الرد الإلهي:

(سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

وحين كانوا يخذلون الصحابة عن الجهاد:

(وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ).

وبعد عودة المؤمنين من الجهاد يعتذر المنافقون:

(سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُـوا عَنْهُمْ).

فما هو الأمر الإلهي للمجتمع المسلم:

(فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ).

وحين كانوا يكرهون المؤمنين ويغتاظون منهم:

(وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ).

فماذا كان جزاؤهم في الدنيا:

(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

وربما
كان أوضح من ذلك كله ما فعله المنافقون حين انسحبوا بثلث الجيش بغزوة أحد،
في مرحلة هي من أحلك وأصعب ما مر على المسلمين في عهد الرسول عليه الصلاة
والسلام، وهذا الفعل يُعد في عُرف كل الأديان السماوية والقوانين الوضعية
(خيانة عظمى تستوجب القتل) .. ومع ذلك، عاد هؤلاء المنافقون إلى مدينة
رسول الله، ورجعوا تحت سيطرة الدولة المسلمة، ولم يتخذ رسول الله عليه
الصلاة والسلام أي إجراء عقابي تجاه أحد منهم.

* مخارج تفسيرية..

سأحاول فيما يلي مناقشة أبرز الاعتراضات التي ساقها الإخوة في تفسير هذه الآيات:

1 ـ أن أقوال المنافقين هذه كانت تُقال في السر:

وقد يبدو بوضوح غرابة هذا الاعتراض، لأن الآيات أتت واضحة جلية في تصريح المنافقين بأقوالهم وأفعالهم بالعلن أمام المؤمنين.

ـ لا أدري كيف تكون بالسر والله عزوجل يُصدر توجيهه القرآني المباشر للمؤمنين:

(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا).

كيف
يكون بالسر، والله عزوجل يقول للمؤمنين (إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ
يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا)، ومع ذلك ما هو التوجيه القرآني
للتعامل معهم: (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ).

حسناً .. هل هذا يعني الامتناع عن مجالستهم على مدى الزمن؟ .. يقول الله عز وجل:

(حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)

ـ
كيف يكون بالسر والمنافقون انسحبوا علناً بثلث جيش أحد!! وعادوا إلى
المدينة، ومع ذلك لم يتخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام إجراءً عقابياً
تجاههم.

ـ كيف يكون بالسر والمنافقون يقولون للصحابة: (وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ).

ثم يأتينا الأمر القرآني: (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ).

ـ كيف يكون بالسر، والله عزوجل ذكر أن المنافقين يلمزون المؤمنين علناً:

(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ).

ـ كيف يكون بالسر، والمنافقون يقولون للمؤمنين علناً:

(يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ).

ـ
كيف يكون بالسر والرجل الذي أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قال له
علناً وبمسمع من الرسول والصحابة (اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، وإن هذه
القسمة ما أريد بها وجه الله!).

2 ـ أن هذه الآيات منسوخة:

مع
أن وقوع النسخ بحاجة إلى دليل بيّن يُعادل دليل ثبوت الحكم قبل النسخ ـ
ولم يقدم من ادعى النسخ دليلاً ـ .. ورغم أن فكرة وقوع النسخ أوردها الأخ
عبداللطيف التويجري، وفي نفس الوقت خَرّج مسألة عدم إقامة الحد عليهم
بدعوى المصلحة، وهنا موطن تعارض، لأن الأحكام التي تُبنى على المصلحة لا
يدخلها النسخ، فإما التخريج بالمصلحة أو بالنسخ .. ومع ذلك دعونا نناقش
اعتراض النسخ باعتبار احتمالية وقوعه:

ـ كيف
تكون هذه الآيات منسوخة وقد نزل بعضها في آخر عهد الرسالة؟! كما في القصة
التي رواها ابن عمر أن رجلاً استهزأ بالصحابة في غزوة تبوك في السنة
التاسعة للهجرة ـ أي بعد فتح مكة بعام ـ فأنزل الله فيه قوله: (قُلْ
أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ
تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).

وهنا إثبات صريح بأن هذا الرجل قد (كفر بعد إيمانه).. ثم ماذا؟ .. ثم لم يُجرِ الرسول عليه أي عقاب دنيوي بعد ذلك.

ـ
وكيف تكون هذا الآيات منسوخة وكثير منها جاء في سورة التوبة التي كانت آخر
سورة نزلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام في المدينة، كما روى البخاري
عن البراء بن عازب (أن آخر سورة نزلت سورة براءة)؟

ـ
وكيف تكون هذه الآيات منسوخة وقد عمل بمقتضاها الرسول عليه الصلاة والسلام
حتى وفاته .. فلم يقتل منافقاً، بل لم يُجرِ عقاباً دنيوياً على منافق؟

3 ـ أن الرسول عفا عنهم لأن ذلك شأن شخصي:

وهذا
المَخرج التفسيري أورده الصديق فهد العجلان .. وهو يثير الاستغراب بحق ..
كيف استطاع تحويل الموضوع من (إعلان للكفر) و (طعن في الدين) و (سب
للرسول) و (سب الصحابة ولمزهم) و (خذلان للمؤمنين بانسحاب ثلث جيش أحد) ..
تحويل كل هذا الأفعال الكفرية وجعلها أشبه بـ (تعدٍ شخصي) على الرسول عليه
الصلاة والسلام، وأن الرسول أسقط حقه الشخصي وعفا عنهم؟!

إذا
أمكن فهم قصة الرجل الذي أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال له:
(اعدل يا محمد فإنك لم تعدل) بأن هذا الأمر يُعد بمنزلة الإساءة الشخصية
إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، والتي في هكذا حالة يحق للطرف المُساء
إليه التنازل عن حقه .. تماماً كما يحصل في القصاص (وهو المثل الذي أشار
إليه الأخ العجلان) .. فكيف يمكن أن نفهم عفو الرسول عن المنافقين بعد
انسحابهم بثلث جيش أحد (وهو فعل يُعد خيانة عظمى في كل الأديان
والقوانين)، وهل فعلهم هذا هو شأن شخصي يمس الرسول فقط؟!

وكيف
يمكن أن نفهم التوجيه القرآن للصحابة (أن إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ
اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ
حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) .. فهل الكفر بآيات الله
والاستهزاء بها شأن شخصي؟!

وكيف يمكن
أن نفهم التوجيه القرآني للرسول عليه الصلاة والسلام (وإذا رأيت الذين
يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) .. فهل الخوض في
آيات الله شأن شخصي؟!

وهل قولهم للصحابة:
(وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ)، ولمزهم لهم: (الَّذِينَ
يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ)
وتهديدهم بطرد المهاجرين: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى
الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ) وسوى ذلك أقوال
وأفعال عديدة أثبتها الله عزوجل بقرآن يتلى إلى يوم الدين، أن كل ذلك كان
شأناً شخصياً يمس الرسول وحده؟!

أم
أن الأخ العجلان يُلمح إلى أن عفو الرسول عن المنافقين جاء في سياق (غير
تشريعي)، أي على مذهب شهاب الدين القرافي المالكي ـ وغيره ـ في هذه
المسألة التي أوردها في كتابيّ الفروق والإحكام وسواهما؟! .. وهو أمر يفتح
الباب على مصراعيه للحديث عن ضوابط التفريق بين السنة التشريعية والسنة
غير التشريعية.

4 ـ أنه تم إيقاف تطبيق الحكم الشرعي لمصلحة سمعة المسلمين (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه):

وهذا التفسير لعفو الرسول عليه الصلاة والسلام عن المنافقين الذين ينطقون علناً بالكفر الصريح، يستدعي بعض التفصيل:

ـ
أولاً: هذا الحديث ورد في عدد من كتب الصحاح بسياق حادثتين اثنتين فقط..
الأولى كانت في غزوة بني المُصطلق حين قال عبدالله بن أبيّ: (لئن رجعنا
إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل)، وكان ذلك في السنة السادسة
للهجرة، حيث قويت شوكة الإسلام، وبدأ المسلمون بغزو قريش بعد أن كانوا
يُغزون من قريش: (لن تغزونا قريش بعدها ـ أي الخندق في السنة الخامسة ـ
أبداً بل نغزوهم).. والثانية كانت في الجعرانة بعد غزوة حنين ـ أي بعد فتح
مكة ـ حين قدم رجل للرسول عليه الصلاة والسلام وقال له (اعدل يا محمد)،
وكانت دولة الإسلام في ذلك الوقت هي الأكثر قوة وشوكة بجزيرة العرب، حيث
قام المسلمون بعد هذه الحادثة بشهور بالسير لمقاتلة الروم في تبوك.

فهل
هذا النص (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه) هو خاص بحسب حادثة وروده
.. أم هو نص (عام) يشمل جميع المنافقين، حتى أولئك المستضعفين الذين لن
يكون لعقابهم أي تبِعات على المجتمع المسلم؟

ثم
لماذا لم يَرِد عن الرسول عليه الصلاة والسلام أي استشهاد آخر في ذات
السياق (حتى لا يقولوا محمداً يقتل أصحابه) لتفسير عفوه عن المنافقين
الذين أعلنوا أقوالاً كفرية في مناسبات أخرى عديدة؟!، خاصة أن هذا الحديث
الذي ورد بعد غزوة بني المصطلق في السنة السادسة للهجرة وبعد غزوة حنين في
السنة الثامنة للهجرة، كان قد سبقه المنافقون بأقوال وأفعال كفرية
(كانسحابهم بثلث جيش أحد في السنة الثالثة للهجرة، وسواها)، ولم يُقم
الرسول عليهم أي عقابٍ دنيوي، وفي نفس الوقت لم يُطلق عليه الصلاة والسلام
هذا التفسير (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه) لعفوه عنهم؟!

وكذلك
أعلن المنافقون أقوالاً كفرية بعد هاتين الحادثتين وإلى قبيل وفاته عليه
الصلاة والسلام (كما في قصة من استهزأ بالصحابة بغزوة تبوك في السنة
التاسعة للهجرة، ونزل فيهم القرآن: لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)، ومع
ذلك لم يُفسر الرسول عليه الصلاة والسلام عدم قتله لهم بذات السبب (حتى لا
يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه).

ـ ثانياً: في حال
كان هذا الحكم الذي أطلقه الرسول عليه الصلاة والسلام (عدم قتل المنافقين
حفاظاً على سُمعة الإسلام) حكماً عاماً يطال جميع المنافقين منذ بداية
دولة المدينة وحتى وفاته عليه الصلاة والسلام، أي ليس حكماً خاصاً .. ألا
يُشير هذا إلى أن الحكم الشرعي ـ قتل من ينطق بأقوال كفرية ـ قد تم
(إلغاؤه) أو (تعطيله) أو (إيقافه) بناء على أمر (مصلحي محض) لا يدخل في
دائرة (الضرورات)، بل هو أقرب إلى دائرة (الحاجيات وربما التحسينات) التي
تتمثل في الحفاظ على سُمعة الإسلام في مرحلة كان فيها الإسلام قوياً
ومُهيمناً على غالب جزيرة العرب وبدأ بقتال الروم.

فهل
هذا يعني أن (مصلحة) الحفاظ على سُمعة المسلمين بما لا يدخل في إطار
(الضرورة) يمكن لها أن تقوم بـ (إلغاء، أو تعطيل، أو إيقاف) الحكم الشرعي؟
.. أي هي تدخل في مساحة السياسة الشرعية؟ ..

وهل
يجري هذا وفق مذهب الطوفي الحنبلي في المصلحة؟!، أم وفق المدرسة المقاصدية
التي نشأت مع الغزالي والجويني وتبلورت مع الشاطبي؟ خاصة أن الرسول عليه
الصلاة والسلام استخدم ذات المعنى (الحِفاظ على سمعة الإسلام) في سياقات
أخرى غير قتل المنافقين، وذلك في آخر عهده وبعد فتح مكة ـ وكان الإسلام في
قوة ومنعة ـ وذلك في حديثه إلى عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي رواه
الإمام مسلم (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأنفقت كنز الكعبة في سبيل
الله)، وكما ورد أيضاً في صحيح الجامع (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية
لأمرت بالبيت فهدم)، وخاصة أيضاً أن الرسول عليه الصلاة والسلام أقدم على
كثير من الخطوات الشجاعة في فترات لم تكن فيها الدولة المسلمة بتلك المنعة
والقوة، كقتاله وقتله لسادات العرب من قريش، وكقتله لكل البالغين من يهود
بني قريظة بالمدينة بعد خيانتهم للمسلمين في غزوة الخندق في السنة الخامسة
للهجرة، وهو موقف يدل على قوة وبأس في مواجهة الخصوم.

ويشير
في الوقت ذاته إلى أن قوله عليه الصلاة والسلام (حتى لا يقولوا أن محمداً
يقتل أصحابه) بعد عام من حادثة قتله ليهود بني قريظة وأيضاً بعد الفتح في
حُنين، أن هذا القول لم يكن ينطوي على خشية أمنية أو سياسية، بقدر ما كان
خشية على سُمعة الدعوة والدولة المسلمة من أن يطالها بعض التشويه.

ثم
إذا كان الحكم بـ (قتل من نطق بالكفر) هو حد من حدود الشريعة، فهل يسوغ لـ
(مصلحة دون الضرورة) أن تُلغي حداً والرسول عليه الصلاة والسلام عظّم من
أمر إسقاط الحد كما في حديثه لأسامة بن زيد الذي روته عائشة رضي الله عنها
وورد في صحيح البخاري (أتشفع في حد من حدود الله (…) وايم الله لو أن
فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). أم أن مدار تطبيق الحدود قائمٌ أيضاً
على المصلحة؟!

5 ـ أن القرآن فضح المنافقين:

ولا
أدري لم كرر الإخوة التأكيد على أن القرآن فضح المنافقين!! وقاموا بسرد
الآيات التي تؤكد هذا المعنى وكأنها مسألة خاضعة للخلاف!! .. مع أن موضوع
الحوار الذي يرتكز على نقطة واحدة مفادها (عدم اتخاذ عقاب دنيوي على
المنافقين الذين قاموا بأفعال أو نطقوا بأقوال كفرية) .. أما فضحهم فقد
وردت عشرات الآيات التي تفضح أفعال المنافقين وأقوالهم ـ لا أسماءهم ـ
وتعِدهم بأشد العقاب يوم القيامة .. بل إن هذه الآيات تُشير بوضوح إلى أن
القرآن لم ينشغل بمُلاحقة أعيانهم، بل اكتفى بالتحذير من أقوالهم
وأفعالهم.

ـ تعقيبات ..

فيما يلي سأحاول التعقيب على بعض الإشارات التي أوردها الإخوة حول هذا الموضوع:

ـ ما موقع (النفاق) إذا كان مسموحاً لهؤلاء المنافقين التصريح بكفرهم؟

بالطبع
لا تنفي الآيات السابقة أن أصل التعامل مع المنافقين قائم على مبدأ (إظهار
الإسلام) وإقامة أركانه التي لا يستقيم إسلام امرئ إلا بها، وإلا لما
عُدُّوا ابتداءً من المسلمين، ولما شملتهم أحكام الإسلام، ولَعُدُوا من
أهل الكفر وشملتهم أحكام الكفار .. لذلك كان المنافقون يخفون أصل الكفر،
ويعلنون أصل الإسلام .. ولكن مع هذا الإطار العام لما هو (مخفي) وما هو
(مُعلن)، كانت تصدر منهم أقوال وأفعال كفرية ـ وأيضاً ما هو دون الكفر ـ
أثبت القرآن بآيات تُتلى إلى يوم الدين أنهم نطقوا بها علناً أمام
المؤمنين.

ـ هل تريد أن نسمح بنشر الكفر في المجتمع المسلم؟

أظنني
أوضحت سابقاً إلى أنني لا أقصد بالطبع هذا المعنى .. فأنا لم أقل في
مقالي: لنسمح بنشر الكفر في المجتمع المسلم!! .. بل كنت أشرت سابقاً في
غير موضع إلى أهمية تشريع قوانين تمنع المسّ بعقائد الناس أو التجريح
بمقدساتهم .. وذكرت بوضوح في كتابي (أشواق الحرية) أن المجتمع المسلم ـ
الذي يملك القرار ـ يجب أن يضع ضوابط وقوانين لسقف الحرية المُتاح في
المجتمع، ويجب أن يمنع أي تعدٍ أو إساءة إلى المقدسات والعقائد، لأنه في
حال سُمح لمن يُريد المسّ بمقدسات الأمة، فسيكون هذا الأمر هو المدخل
الأكبر للفتنة وتفرقة المجتمع وإثارة العصبيات وربما قيام الحروب الطائفية
والدينية.

ولكنني حين تحدثت وأتحدث
عن وجوب منع الإساءة إلى العقائد والمقدسات، فأنا هنا لست في إطار تحديد
الموقف العقابي الذي أقرته الشريعة لمن أساء إلى هذه العقائد والمقدسات،
بل كنت في إطار تحديد ما يدور في إطار قوانين الدولة التي تحفظ المجتمع
المسلم من الفتنة والتفرّق.

ـ عن أقوال ابن تيمية ..

كنت
أظن أن الأمر من الوضوح بمكان لا يستدعي معه مزيد إيضاح .. فنصوص ابن
تيمية التي أوردتها في مقالي السابق لم تكن تتحدث عن (المنافقين)، بل كانت
تشير إلى المتأولين من أمثال (خالص جلبي) .. لذلك أوردتها فقط في سياق
الاستئناس لا الاستدلال.

وبالطبع كان
بالإمكان أن أنقل عشرات النصوص المشابهة عن ابن تيمية التي تُشير إلى
إعذار المُتأول .. وأدرك أيضاً أنه يمكن في ذات الوقت أن أنقل عن ابن
تيمية عشرات النصوص التي تشير إلى المعنى المضاد لهذا المعنى، وذلك
لاختلاف الكلام باختلاف السياقات عند شيخ الإسلام رحمه الله .. لكن أظن أن
الإخوة يتفقون معي في أن (أقوال ابن تيمية) ليست نصاً شرعياً نحتكم إليه
.. بل هي أقوال يجب أن يُستدل لها، لا أن يُستدل بها.

ـ مغزى الاستشهاد..

ما الهدف الذي قصدته من مقالي السابق وكنتُ أحسبه واضحاً، وإن لم يكن كذلك عند البعض؟

كان مغزى الاستشهاد في مقالي السابق يرتكز على أمرين:

الأول:
هو المقارنة من جهة بين فعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع المنافقين
الذين قاموا بأفعال ونطقوا بأقوال كفرية صريحة بنص القرآن .. وبين ما يريد
أن يقرره بعضهم اليوم تجاه بعض المتأولين ـ وبعضهم من أهل الخير والدعوة ـ
الذين نطقوا بأقوال موهمة هي في أقصى حمولاتها التفسيرية لا تصل لمرحلة
الكفر الصريح .. أي ما يعتبره الأصوليون داخلاً في إطار قياس الأولى.

أي،،

كيف
يتعامل بعض طلبة العلم مع بعض المتأولين الذين يمكن أن نجد لكلامهم محملاً
تفسيرياً حسناً؟! وكيف يقومون بمطاردة نصوصهم التي ربما لا تخرج عن إطار
الاجتهاد أو ربما الغموض الذي يستدعي الإيضاح؟! وكيف يطالبون بطردهم وربما
امتحان عقائدهم وربما تكفيرهم والدعوة إلى قلتهم؟!

ومقارنة
ذلك كله مع ما كان يفعله الرسول عليه الصلاة والسلام مع المنافقين الذين
نطقوا بالكفر الصريح ـ بنص القرآن ـ وغدروا وخانوا المسلمين في غزوة أحد،
ومع ذلك لم يجرِ الرسول عليهم عقاباً دنيوياً.

الثاني:
أيضاً يدور في إطار (قياس الأولى) .. ففي حال حرص الرسول عليه الصلاة
والسلام على (سُمعة الإسلام) في مجتمع كان يتصف بالتالي: أن دولة المسلمين
كانت قوية ومهيمنة على جزيرة العرب وبدأت بمقاتلة الروم.

أن
المجتمع كان بدائياً من ناحية وسائل الاتصال، فلو عاقب الرسول عليه الصلاة
والسلام منافقاً أو قام بقتل منافق، فبالطبع لن يصل خبر هذا الفعل سوى إلى
مساحة جغرافية محدودة، عن طريق اللقاء الجسدي المباشر.

ومقارنة هذا الوضع مع أوضاع مجتمعاتنا الحالية التي تتصف بالتالي:

ضعف دول الإسلام والهيمنة السياسية والعسكرية والثقافية والإعلامية للدول الكافرة.

الحضور
الطاغي لوسائل الإعلام، بحيث لن يتجاوز الأمر في حال صدور أي فتوى تهدف
إلى القتل أو الطرد وما شابه ذلك سوى دقائق معدودة إلا وصار العالم أجمع
يسمع بها (وبأسلوب مشوه لأنه فعلٌ يُخالف ثقافة تلك الوسائل) عبر وسائل
الإعلام بأذرعتها الممتدة في كل بيت وشارع في العالم.

أي،،

أن
التعامل مع المنافقين في مُجتمع المدينة، وإسكاتهم، وإيقاف كفرهم وضلالهم،
كان أيسر بكثير مما يمكن أن يستطيعه أي نِظام سياسي اليوم تجاه المُختلفين
سياسيّاً وفكريّاً في مُجتمع العولمة، والإعلام المفتوح، والفضائيات،
والإنترنت، وتدفق الأفكار والأخبار والصور. بحيث تعجز حتى أكثر الدول
صرامة وسطوة من إيقاف هذا السيل الهادر من الأفكار والمعلومات. فكيف
يستطيع المجتمع المسلم اليوم منع أحد من الحديث بعد أن لم يعد ثمة فرق
عملي ـ من ناحية سرعة الوصول ـ بين من يتحدث وهو مستلقٍ على شاطئ جزر
الكناري، ومن يتحدث معك في غُرفة نومك؟!

أضف إلى ذلك ما يمكن أن تحدثه الفتاوى المُطالبة بالقتل أو الطرد من أثر سلبي على سمعة الإسلام في العالم أجمع.

* * * *

في
ختام هذه المداخلة أكرر أنني لست هنا في موضع إجراء بحث تفصيلي حول موضوع
الضوابط والحدود والمعايير التي تُنظِِّم مسألة حرية التعبير في الإسلام ـ
وربما أفعل ذلك مستقبلاً ـ .. وإنما هو حوار حول مبحث شرعي يدور في إطار
(الإجراءات العِقابية) لمن يتجاوز الشريعة أو يُعلن أقوالاً كفرية.

لذلك
أتمنى من الإخوة الكرام نقاش هذا الموضوع باعتباره مبحثاً علمياً يستحق
مزيداً من البحث والتأمل في دلالات النصوص ومراد الشارع .. بل إنه لا
مشكلة في اعتبار هذه المادة مجرد تساؤلٍ من طالب علم متواضع لشيوخ أفاضل
في حلقة شرعية .. لذا فعلى الإخوة المُغرمين بإثارة الغبار والاستعانة
بقواميس التشنيع والإرهاب الفكري أن يتسلوا بأمور أخرى بعيداً عما نريده
من نقاش علمي حول الموضوع

Advertisements
This entry was posted in Muslim Affairs. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s