عودة إلى فكر على عزت بيجوفيتش: موسى وعيسى ومحمد


عودة إلى فكر على عزت بيجوفيتش: موسى وعيسى ومحمد

محمد يوسف عدس
  | 
12-07-2010 00:14

(1)
فى تعليق للأستاذ محمد عبد اللطيف حمزة(من استراليا) على مقالتى السابقة
يقول: "حينما يكون الكلام في المجال الديني للمسلمين فإن توجيه الخطاب
للمسلمين يكون أمرا منطقيا ومقبولا، ولكن عندما يكون الحديث عن الوطن
وشئونه فإن الخطاب يكون موجها لكل المصريين من مسلمين ومسيحيين وأطياف
دينية أخرى " وهذا كلام يبدو مقبولا لا غبار عليه.. ولكن إذا كان مقصودا
به ماورد بالذات فى هذا المقال فهو كلام يستحق المراجعة.. لأنه حينئذ
ينطوى على أخطاء فكرية قد لا تكون واضحة حتى عند صاحبها .. لقد تعلم
أبنائى فى استراليا، وبها واحد من أكثر أنظمة التعليم تقدّما فى العالم..
تعلموا فى المدرسة الثانوية مادة فى (النقد المنطقيّ) كانوا يسمونها
..“Reasoning” وهو ما يفتقر إليه الكثير من الناس عندما يتعاملون مع
الأفكار انتاجا أوفهما واستيعابا …

أود أن اقول إننى لا أزعم
أننى فقيه ولا داعية ولا أطمع أن أرقى إلى هذا الشرف.. إننى أكتب فى
المشكلات السياسية والحضارية ويهمنى بالدرجة الأولى تحطيم الأفكار الخاطئة
والأوهام والأساطير التى تكبل عقول الناس وتمنعهم من التفكير الصحيح
والتقييم الصحيح، وبالتالى تمنعهم من السلوك الصحيح والعمل الصحيح..
وعندما أكدت على أن تحريك الجماهير فى بلادنا من أجل التغييرلا بد أن يكون
منطلقا من قيمة مقدسة ومن الإيمان بالله.. لم يكن كلامى فى الدين وإنما
كان فى صميم الشأن الوطني الانساني، ولا يمكن أن يكون هذا بمعزل عن القيم
الحضارية والانسانية كما أفهمها.. ومن يقصر القيمة المقدسة والإيمان بالله
على المسلمين فقط يكون مخطئا.. فلا يستطيع إنسان أن يحيا حياة سوية بمعزل
عن القيمة أوعن فكرة مقدسة.. حتى العلمانيون والملاحدة وجدوا أنفسهم
مضطرين لخلق قيم يقدسونها من صنع أوهامهم..

وإذا كنت قد دعوت
قادة التغيير والإصلاح فى مصر إلى قراءة كتاب "على عزت بيجوفيتش: الإسلام
بين الشرق والغرب" فأنا لم أخص بدعوتى المسلمين فحسب.. فهذا ليس كتاب دين
وإن تحدث عن الأديان .. إنه كتاب عن الثقافة والفكر والحضارة.. والثقافة
الإسلامية عنصر مشترك فى مصر بين المسلمين والمسيحيين .. الانتماء الدينى
شيء آخر مختلف.. وهذه نقطة تحتاج إلى شرح طويل.. وميزة هذا الكتاب أن
صاحبه رجل فكر وتجربة معا.. وقد رأي ما لم يره الآخرون: أن حضارة هذا
العالم وثقافته محفوفتان بأخطاء مروّعة ستؤدى فى النهاية إلى كارثة
إنسانية تكنس المسلمين والمسيحيين واليهود وكل أصحاب النحل والملل ومن لا
ملّة له ولا نِحلة.. وتجنب هذه الكارثة المحققة لا يعنى المسلمين فحسب
ولكنه يعنى كل البشر الأسواء منهم والحكماء على وجه الخصوص.. وقد دعوت
رواد التغيير وقادته لقراءة هذا الكتاب وفى ذهنى كل الأطياف وأصحاب
الانتماءات الدينية المختلفة على السواء لأن هذا الكتاب يكشف لهم عن أعمق
الأفكار وأنجع الأساليب للتغيير والإصلاح الذى يهم الجميع..

واضيف
هنا: أن أى فئة من مكونات هذا الشعب تعتقد أوتعمل على خلاصها بمفردها
بمعزل عن الفئات الأخرى أو على حساب هذه الفئات ليست واهمة فحسب ولكنها
تسعى لحتفها بظلفها، وتعرّض نفسها لكارثة أكبر مما تتخيل .. إن الذين
يسعون إلى تحقيق امتيازات خاصة لأنفسهم دون الآخرين وخصوصا دون الأغلبية
الكبرى سوف تنقلب عليهم امتيازاتهم بلعنة ساحقة.. وما دمت قد تطرقت إلى
هذه النقطة فينبغى أن أنبّه إلى أن مغازلة الأنظمة البوليسية المستبدة
لطائفة معينة ليس حبا فى سواد عيون هذه الطائفة ، إنما هى وسيلة مبرمجة
لتحويل جزء من طاقة السخط العام والغضب والكراهية إلى هدف آخر بعيدا عن
السلطة الدكتاتورية القمعية وإشغال الأغلبية المسحوقة بعداوات وهمية تشتعل
على الجانين بحكم ردود الأفعال لسلبية.. وإذا كنت فى شك من ذلك فانظر إلى
الفضائيات الجديدة التى تنشأ كل يوم، وتصفّح الكم الهائل من المواقع
الإلكترونية التى تتقاذف الشتائم والهجوم على كلا الجانبين.. أقول إن
السعي لاكتساب مميزات والمغالاة فى ممارسة حقوق غير شرعية لمجرد أن السلطة
قد سمحت بها خطر على الجميع .. ولن أتطرق هنا للاستشهاد بآية قرآنية تصوّر
هذا الموقف أدق تصوير.. وإنما أطرح مصطلحا إنجليزيا يفهمه أخونا الأسترالي
وآخرون، وهو مصطلح “Disfunctionality” وهو بدون تفصيل يشير إلى أن الغُلوّ
والإفراط فى استخدام التدابير والاحتياطات، وفى تكبيل الناس بالقوانين
والإجراءات القمعية والتزوير للوصول إلى غايات معينة يؤدى فى النهاية إلى
عكس النتائج المنشودة تماما.. فإذا كانت الغاية هى التوريث مثلا كانت
النتيجة هى الخسارة والكارثة…

وأختم هذه النقطة بأن التقسيمات
الفكرية بين ما هو دينى وما هو سياسي بين ما للدين وما للوطن (من حيث
الواقع والممارسة الفعلية) مجرد وهم وخرافة، وهى تقسيمات تعشش فى عقول
الكثرة الغالبة من الناس، نتيجة الألفة لعبارات مشهورة مثل: "الدين لله
والوطن للجميع أو "لا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين".. عبارات يرددها
الناس بلا فهم .. صكها السياسيون (الديماجوجيون) لخداع الجماهير، وهم أول
من يخالفها وأول من يستغل الدين فى تمرير سياساتهم وترويج أخطائهم
وانحرافاتهم..

وخير من يشرح لنا هذا ويعلمنا (مرة أخرى) هو رائد الإصلاح والتغيير على عزت بيجوفيتش فلنستمع إليه:

(2)
أزعم أن على عزت بوجوفيتش هو أحد أكبر المفكرين الأوربيين إنصافا وموضوعية
للأديان الثلاثة: (الإسلام والمسيحية واليهودية) عندما يتحدث عنها جميعا
فى إطار المقارنة.. إنه يضع كل دين منها فى مكانه التاريخي الصحيح بلا
مبالغة ولا ادعاء ولا شطط ولا تكلّف.. وتراه فى عرضه للحقائق متمكنا من
مصادره مدققا فى فهمه وتفسيره، ومن ثم يتحدث بلا خوف ولا وجل.. لا يتوارى
فى دبلماسية العبارات الفضفاضة.. ولا يركز على جوانب ويخفى جوانب أخرى من
الحقيقة، مجاملة أو رغبة فى إرضاء مخلوق مهما علا شأنه وبلغ سلطانه،
وبالمقارنة لا إجد مفكرا واحدا مسيحيا كان أو يهوديا تعرض لنفس المهمة،
فأنصف الأديان الثلاثة كما فعل على عزت بيجوفيتش، أما موقفهم الرسمي
السائد (من الإسلام بصفة خاصة) فيتراوح بين الإنكار التام أوالإسفاف
التام، وكان يوحنا الدمشقى رائدا فى الكذب على الإسلام وعلى نبيه.. وقد
استند على أكاذيبه هذه بعد ذلك كل من كتب عن الإسلام ونبيه من الكتاب
المسيحيين المتعصبين، حتى جاء المستشرق مرجليوس، فأصبح هو المرجع الأساسي
لكل الكتابات الكاذبة عن الإسلام ونبيه فى العصر الحديث بمن فيهم البابا
بكتسيوس السادس عشر.. وتبعه المتأسلمون بالإسم، الكارهون للإسلام
والملاحدة فى الحقيقة..

(3) يقول بيجوفيتش: "للإسلام
تاريخان: تاريخ سابق على ظهور محمد، وتاريخ بعد ظهوره.. هذا التاريخ
اللاحق هو تاريخ الإسلام بمعناه المحدد الذى بدأ ببعثة النبي(صلى الله
عليه وسلم)، ولا يمكن فهمه فهمًا كاملاً إذا لم يكن الدارس على معرفة
كافية بتاريخ الإسلام السابق، وعلى الأخص فترة اليهودية والمسيحية"

يرى
بيجوفيتش أن هذه الأديان الثلاثة قد قامت بدور رئيسي في تاريخ الإنسانية،
ومن خلالها أصبح الإنسان محورًا للتاريخ، وتعلّم أن ينظر إلى الإنسانية في
مجموعها ككل. ومن خلالها عرف الإنسان معنى الحياة الجوّانية والحياة
البرانية، وعرف معنى التقدم الجوّاني والتقدم البرّاني، وما بينهما من
علاقات وحدود. ولقد تُوّجت النجاحات والإخفاقات التاريخية، لكل من
اليهودية والمسيحية، بخبرة إسلامية عن الجنس البشري. وهكذا، فإن موسى
وعيسى ومحمد قد تجسّدت فيهم ثلاثة إمكانات مبدئية لكل ما هو إنساني.

تُمثّل
اليهودية بين الأديان اتجاه [هذا العالم]، فجميع أفكار ونظريات العقل
اليهودي معنية بإقامة جنة أرضية.. و[كتاب أيوب] فى العهد القديم هو فى
الحقيقة (رغم إفراطه فى الشكوى ومشاعر الظلم) حلم بالعدالة التي ينبغى أن
تتحقق على الأرض، لا في العالم الآخر وإنما [هنا والآن..].

معنى
هذا أن اليهود لم يتقبلوا أبدًا فكرة الخلود فى الآخرة، فحتى عهد المسيح
كان «الصّدُوقيّون» لا يزالون يرفضونها. ويقرر «موسى بين ميمون» ـ وهو
أكبر مفكر يهودي ظهر في العصور الوسطى ـ أن الخلود فكرة غير ذات موضوع،
لأنها تنقض نفسها بنفسها…

حتى «مملكة الرّب»، التي كان اليهود
يتنبأون بها قبل ظهور المسيح، كان «مفروضًا» أنها ستتحقق على الأرض، وليس
في السماء كما يؤمن المسيحيون. ففي كتابات اليهود عن «سفر الرؤيا»، يمجدون
[المسيح المنتقم] أو المشياح الذي يأتي لتحقيق العدالة.. فالمسيح الذي كان
ينتظره اليهود لم يكن نبيًا يعاني ويموت، وإنما بطلاً قوميًا سيقيم دولة
الشعب المختار. ففى نظرهم: العالم الذي يكون فيه العادل تعيسًا، عالم بلا
معنى.. هذا هو المبدأ الأساسي لمفهوم العدالة اليهودية وكل «عدالة
اجتماعية». ففكرة أن تكون الجنة هنا على الأرض، فكرة يهودية في أساسها
سواء من ناحية خصائصها أو من ناحية أصلها.. يقول بيجوفيتش:"إن نمط التاريخ
اليهودي في ماضيه وحاضره مصدر جاذبية قوية لجميع المقهورين، وأصحاب الحظ
العاثر في كل زمان.. وقد تبنى «القديس أوغسطين» هذا النمط للمسيحية، كما
تبناه «ماركس» للاشتراكية وجميع الثورات والطوباويات والعقائد الاشتراكية
وما يجري في مجراها من أفكار تتطلع إلى جنة على الأرض ـ كلها يهودية صادرة
من العهد القديم».

ويلفت بيجوفيتش نظرنا إلى حقيقة العلاقة بين
الماسونية والفكر اليهودي فيقول:"إن فكرة «الماسونية» عن اليقظة الأخلاقية
للبشر عن طريق العلم، هي فكرة وضعية يهودية.. ولعل من الأهمية بمكان الكشف
عن العلاقات الجُوّانية والبرّانية بين «الوضعية المنطقية» والماسونية
واليهودية.. فهذه العلاقات والتأثيرات ليست معنوية فحسب، وإنما هي أيضًا
علاقات واقعية وملموسة إذا دققنا النظر فيها.."

يرى «سومبارت» أن
تاريخ اليهودية هو تاريخ التطور التجاري للعالم. وأول ما ظهرت العلوم
الذرية كانت معروفة باسم «العلم اليهودي»، ويمكن أن يوصف علم الاقتصاد
السياسي بالصفة نفسها. وليس من قبيل المصادفة أن تكون ألمع الأسماء في
علوم الطبيعة النووية والاقتصاد السياسي والاشتراكية، جميعًا وبدون
استثناء، من اليهود.

(4) نعلم أن بيجوفيتش يميّز بين الثقافة
والحضارة تمييزا جوهريا ويرى أن اليهود لم يسهموا في الثقافة، بقدر
إسهامهم فى الحضارة.. ويبدو لمن يدرس تاريخهم كأنهم في هجرة دائمة من
حضارة آفلة إلى حضارة أخرى وليدة.. وقد حدث هذا أيضًا في الغرب. يقول
«برتراند رسل»: «إن اليهود لم يكن لهم أي تأثير على الثقافة في البلاد
المسيحية». ولكن ما أن تسود الثقافة في مدينة ما، حتى يظهر اليهود. ولقد
نشأت مستعمرات يهودية في كل مدينة رئيسية على طول التاريخ. .ففي التاريخ
القديم، نجد مدن صور وصيدا وأنطاكية والقدس والإسكندرية وقرطاجة وروما..
وفي إسبانيا الإسلامية (الأندلس)، نجد مدن قرطبة وغرناطة وتوليدو
وأشبيلية. وفي بداية عصر النهضة، نجد مدن أمستردام وڤينيسيا ومارسيليا.
وفي العصر الحاضر، في كل مدن العالم الكبرى وعلى الأخص المدن الأمريكية.
هذه هي خُطى الأقدام التي صنعت تاريخ اليهود.. وفي تمويل اليهود لرحلة
«كولمبس» رمز على إسهامهم مباشرة في اكتشاف عالم جديد شَرَع يمارس الحضارة
منذ بدايتها الأولى، (ويوجد رأي مدعم بالأدلة على أن «كولمبس» نفسه كان
يهوديًا. وكان أب العصر النوويّ الحديث يهوديًا أيضًا، وهو «أينشتين».
وهكذا كان اليهود في كل الظروف حملة التقدم البرّانيّ (المادي)، بمثل ما
كان المسيحيون حملة التقدم الجُواّنيّ الروحيّ…

ونواصل فى حلقة قادمة إن شاء الله…

myades34@gmail com

Advertisements
This entry was posted in Muslim Affairs. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s