مسيحيو مصر.. الهروب إلى الهاوية (1)

د. رفيق حبيب   |  21-09-2010 23:50

يمكن النظر إلى العلاقة بين المسلم والمسيحي في مصر، باعتبارها قضية تخص الجماعة الوطنية المصرية، وتشكل حالة هذه الجماعة، ومدى تماسكها أو تفككها، ولكن يمكن النظر إلى هذه العلاقة أيضا، من خلال الوضع في الإقليم العربي والإسلامي، ودور في مصر في إقليمها، سواء في الحاضر أو في المستقبل. والفرق في مستوى التحليل له علاقة بالعوامل التي سوف تحسم تلك العلاقة، أو تشكل مصيرها. فالناظر إلى العلاقة بين المسلم والمسيحي في السياق المصري، يحاول الكشف عن أسس تلك العلاقة وما أصابها من مشكلات أو أزمات، والناظر لهذه العلاقة في السياق الإقليمي، سيرى مدى تأثير تلك العلاقة على موضع مصر، وبالتالي مدى تأثيرها على المنطقة العربية والإسلامية. وكل مستوى له أهميته، والغالب أن المستوى المحلي الوطني يمثل جزءا من المشهد الإقليمي، والذي بدوره يمثل الصورة المتكاملة. فالعلاقة بين المسلم والمسيحي في مصر، هي جزء من مشكلات العلاقة بين مكونات الأمة الإسلامية، والتي تسهم بدور ملحوظ في تشكيل مستقبل الأمة ومسارها الحضاري والتاريخي.

فالأمة الإسلامية تواجه تحديات وجودية تتعلق بتحقيق وحدتها، بعد أن تعرضت لعملية تفكيك منظم عبر عدة عقود بفعل التدخل الخارجي والعوامل الذاتية. لذا أصبحت الأمة تواجه تحدي استعادة وحدتها من جديد، لأن تلك الوحدة كانت سببا مهما في قوتها ونهضتها في المراحل التاريخية السابقة، فأصبحت وحدة الأمة هي العنوان الأول لبداية مرحلة النهوض واستعادة الدور الحضاري للأمة. فكل المؤشرات تدل على أن الأمة الإسلامية تحقق نهضتها بعد أن تحقق وحدتها، وأن وحدة الأمة الإسلامية أساس مهم في بنيتها وهويتها. ومادامت وحدة الأمة، تمثل غاية مركزية، لذا تصبح وحدة المجتمعات المشكلة للأمة، جزءا من وحدة الأمة. فإذا تحققت وحدة مجتمعات وأوطان الأمة، فإن ذلك يمهد لوحدة الأمة الإسلامية السياسية.

ولكل وطن من أوطان الأمة دور مهم في حياتها، وتختلف أدوار الأوطان تبعا لموقعها وموضعها، ومصر لها دورها المهم في تاريخ الأمة الإسلامية، وهو دور له مميزاته الخاصة. فيمكن القول: أن الأمة الإسلامية لا يمكن أن تحقق وحدتها دون أن تكون مصر جزءا من تلك الوحدة، ولا يمكن أن تهيمن أي قوى أجنبية على العالم العربي والإسلامي دون أن تهيمن على مصر، ولا يمكن أن يسود مشروع سياسي في العالم العربي والإسلامي، دون أن يسود في مصر، ولا يمكن أيضا أن يتحقق المشروع الإسلامي ويحكم العالم العربي والإسلامي، دون أن يحكم مصر.

لذا فمصر تمثل موضعا مركزيا في مشروع وحدة الأمة الإسلامية، وفي مشروع بناء المرجعية الحضارية الإسلامية والنهضة الإسلامية والدولة الإسلامية. وحتى يبنى المشروع الإسلامي وتتحقق وحدة الأمة الإسلامية، يجب أن تكون مصر جزءا من هذا المستقبل، وبدونها يصعب تحقيق ذلك. قد يأتي دور مصر أولا، أو في مرحلة من المراحل، أو حتى في نهاية تلك المراحل، ولكنه يجب أن يأتي، وهذا ما يكشف عنه التاريخ في تصوري.

وفي مصر توجد أزمة، في العلاقة بين المسلم والمسيحي، وحالة احتقان ديني، وأحداث نزاع ديني عنيف. وتلك الحالة تدل على أن الجماعة المصرية فقدت تماسكها، وتعرضت لشرخ اجتماعي وثقافي وحضاري، يؤثر على وحدتها وتماسكها وقوتها، ويعرضها للخطر. وتتعدد تعريفات تلك الحالة، وكل تعريف قد يعرض لجانب منها، ولكن هناك بالطبع جوانب مركزية. فتماسك الجماعات الوطنية، يقوم على التوافق حول المرجعية والهوية، والتي تمثل الطابع السائد والتيار الغالب، ومنها تتحدد القضايا الوطنية، والمواقف المجمع عليها، وتتشكل الغايات النهائية والأهداف العليا، ومنها أيضا تتحدد القيم العليا التي تحكم النظام الاجتماعي ويفترض أن تحكم النظام السياسي، ومنها كذلك يتحدد الانتماء الثقافي والحضاري. فلا توجد جماعة وطنية متماسكة، دون أن تكون متوافقة على هويتها، وتعرف قيمها العليا، والمبادئ التي تلتزم بها، فكل تلك العناصر تشكل النظام العام الذي تلتزم به الجماعة الوطنية، ويفترض أن يلتزم به النظام السياسي. وبدون وجود توافق حول نظام عام، لا يمكن قيام جماعة وطنية، ولا يمكن أيضا تحقيق الاجتماع البشري، لأن الاجتماع البشري المنشئ للمجتمعات، يقوم على توافق مجموعة من البشر حول نظام عام وقيم عليا وغايات ومبادئ، ومن هذا الاتفاق ينشأ المجتمع.

وفي مصر توجد أزمة في العلاقة بين المسلم والمسيحي، وتلك الأزمة ترتبط في جانب مهم منها، بتعريف الهوية والمرجعية الحضارية. فقد حدث في مصر انشقاق في الوعي بالهوية بين الجماعة المسلمة والجماعة المسيحية، وهو ما أدى إلى جانب عوامل أخرى، إلى حدوث نزاع ديني واحتقان وتوتر في العلاقة بين المسلم والمسيحي. فأصبحت التوترات الحادثة تنتج من خلاف في تحديد الهوية، فأصبحت خلافات بين جماعات مختلفة في الهوية، مما عمق الأزمة، وفتح الباب أمام استمرار التوتر والتصعيد.

وأزمة الهوية ترتبط ارتباطا مباشرا بمستقبل الأمة الإسلامية، لأنها ترتبط بمسألة وحدة الأمة الإسلامية، كما ترتبط بالمرجعية الحضارية لها. فإذا كان اختيار الأمة الإسلامية هو التمسك بمرجعيتها الحضارية الإسلامية، فإن الجماعة المسيحية في مصر قد عزلت وفصلت نفسها عن تلك المرجعية، وإذا كان اختيار الأمة الإسلامية هو تحقيق الوحدة الإسلامية، فإن الجماعة المسيحية في مصر فصلت وعزلت نفسها عن الهوية الإسلامية، واعتبرت أن هويتها مصرية خالصة. لذا فكل مشاريع الوحدة الإسلامية، أو مشاريع استعادة الهوية الإسلامية كمرجعية للنظام العام، وكل محاولات تحقيق المشروع الإسلامي في المجال السياسي، تصطدم في مصر بموقف الجماعة المسيحية الرافضة لتلك المشاريع، والرافض للهوية العربية الإسلامية جملة. وكل محاولة لبناء المشروع الإسلامي، وأيضا كل محاولة لتأكيد الهوية الإسلامية في المجتمعات العربية والإسلامية، وكذلك كل محاولة لعلمنة المجتمعات العربية والإسلامية، وأيضا كل محاولة لفرض النماذج الغربية، تصب في النهاية داخل العلاقة المتوترة بين المسلم والمسيحي. فتصبح الصدامات بين المسلم والمسيحي، جزءا من معارك الأمة الكبرى، وجزءا من المواجهة بين المشروع العلماني والمشروع الإسلامي، وجزءا من المواجهة بين الحركة الإسلامية والنظم الحاكمة، وأيضا جزءا من المواجهة بين شعوب الأمة الإسلامية والقوى الغربية المهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية.

وأزمة الجماعة المسيحية في مصر، ترتبط أساسا بأنها خرجت من الهوية العربية الإسلامية الجامعة، وأصبحت تعمل من أجل هوية قومية مصرية، تفك روابط مصر مع محيطها العربي والإسلامي. وهذا التوجه ظهر في داخل الجماعة المسيحية في مصر، وبعض الجماعات المسيحية أو غير المسيحية في بعض البلاد العربية والإسلامية، دون أن يكون تيارا سائدا في الأمة، بل على العكس من ذلك، فمع نمو التيار الإسلامي المستند للمرجعية الحضارية والدينية في مختلف أرجاء الأمة، ليشكل تيارا عاما يقوم على الهوية الإسلامية في مختلف البلاد العربية والإسلامية ومنها مصر، كانت الجماعة المسيحية في مصر تتجه في مسار آخر، قريب من مسار النخب العلمانية والنخب الحاكمة والمشاريع الغربية، وتبني هويتها على أساس قومي مصري خالص. فأصبحت هوية الجماعة المسيحية تفترق وتبتعد عن الهوية السائدة في المجتمع المصري.

وأزمة الهوية تمثل جزءا أساسيا من أزمة العلاقة بين المسلم والمسيحي في مصر، فهي وجه من وجوه المشكلة، وربما تكون الوجه الأهم، ومع ذلك فإن الجماعة المسيحية في مصر تتجه إلى تأكيد هويتها المصرية الخالصة ورفضها للهوية العربية والإسلامية، وكلما تزايدت المشكلات نجد توجها متزايدا نحو فصل هوية الجماعة المسيحية عن الهوية العربية والإسلامية، مما يزيد الفجوة مع الجماعة المسلمة. ومع تزايد تلك الفجوة تزيد المواجهات بين المسلم والمسيحي، ولكن الجماعة المسيحية تتجه لتعميق تلك الفجوة، رغم أن ذلك يعرضها لمواجهات أشد. وتندفع الجماعة المسيحية في طريق يعرضها لمخاطر كبيرة، وتتصور أنها تحمي نفسها من مخاطر تتعرض لها.

ظل الحديث عن عزلة المسيحي عن المجتمع وعن المجال السياسي تتردد، ولكن القضية ليست مجرد حالة عزلة أو سلبية، مثل تلك الحالة التي أصابت غالب الجماعة المصرية، فحالة العزلة قد تكون مجرد سلبية، وقد تكون محاولة للفصل والتمييز وإقامة الجدران العازلة. وتلك تصبح مشكلة أخرى، فالجماعة المسيحية في مصر، منذ بداية مرحلة الإحياء الديني في مصر في سبعينات القرن العشرين، وهي تبني وجودها الاجتماعي داخل أسوار عازلة، تمنع تفاعلها الحر والتلقائي مع محيطها. ويكمن القول: أن مرحلة الإحياء الديني المسيحي قد بدأت في مرحلة الستينات، بصورة أوضح من الإحياء الإسلامي، ومع هذه البدايات كانت الجماعة المسيحية تبني لها وعيا خاصا وموقفا خاصا بها، وتشكل حالة منفصلة عن المجتمع.

والمشاهد لما حدث، يدرك أن حالة الإحياء المسيحي داخل الجماعة المسيحية قد بدأت قبل أحداث العنف الديني، ولم تكن نتاجا لمواجهات حدثت بين المسلمين والمسيحيين، بقدر ما كانت نتاجا لدخول الجماعة المصرية كلها، وربما المنطقة العربية والإسلامية، مرحلة الإحياء الديني. وعندما بدأت تتشكل ملامح الحراك الديني المسيحي، ظهرت الحركات والأنشطة التي تستقطب المسيحيين إليها، وتقيم الجماعة المسيحية الخالصة النشطة. وهنا بدأت المشكلة تتبلور في بناء حالة خاصة، ليست لها علاقة بالمجتمع، ولا تتفاعل معه، بل تبني لنفسها مجتمعها الخاص.

لم يكن خطاب الإحياء المسيحي مدركا لما يمر به المجتمع، ولم يكن يؤسس لعلاقة المسيحي بالمجتمع، ولا بدور حالة الإحياء المسيحي في المجتمع المصري، بقدر ما كان خطاب الإحياء المسيحي يبني حالة مسيحية خاصة، تقوم على هوية الجماعة المسيحية. فغابت أسس العلاقة مع المجتمع، ومعها غابت الهوية المشتركة، وبدأت أزمة الجماعة المسيحية مع الهوية العربية والإسلامية. وبدأت الجماعة المسيحية تتكلم عن أحوال الطائفة، وخصائص الطائفة، ومجتمع الآخرين الذي يحيط بالجماعة المسيحية. ولا يمكن القول أن حالة الجماعة المسيحية كانت رد فعل، ولكنها كانت فعلا يتفاعل مع ما يحدث حوله، ويسير في مساره الخاص.

لذا ظهرت مبكرا حالة بناء وعي جماعة الأقلية العددية في مواجهة الكثرة، وهي حالة تبنى على فرضية الاضطهاد التاريخي، وتثير الحمية الدينية مع الحمية الطائفية، وتبني بهذا جدارا عازلا بين الضحية المفترض والجاني المفترض. والناظر إلى صعود الحركة الإسلامية منذ سبعينات القرن العشرين، ودور الرئيس أنور السادات، يجد أن كل هذه الخطوط كانت متوازية، ولم يكن بعضها فعلا والبعض الآخر رد فعل عليه. فقد كانت الجماعة المسيحية تدخل في مرحلة إحياء ديني منذ أواسط الستينات، وتبني لنفسها هوية منفصلة، وتشكل قناعة تقوم على الشعور بالاضطهاد التاريخي، وتبدأ مرحلة الدخول في المواجهة.

ومنذ وقت مبكر تظهر قضية عدد المسيحيين في مصر، وعندما تبدأ مرحلة العد والإحصاء، تبدأ مرحلة البحث عن حقوق الطائفة، ومعها يبدأ الحديث عن خطورة تنظيم الأسرة على الجماعة الأقل عددا، ويتزايد الاهتمام بتنمية عدد الجماعة وتضخيم هذا العدد، لأن البحث أصبح جاريا عن حقوق طائفة. ولكن هوية الطائفة لا تغيب عن كل تلك المواقف، فالجماعة المسيحية أسست وضعها باعتبارها الجماعة المصرية الأصلية والممتدة بدون انقطاع تاريخي، وبهذا تعود مسألة الهوية، ففي الهوية المصرية ترى الجماعة المسيحية أن لها ميزة تاريخية، أما في الهوية العربية والإسلامية، فتغيب هذه الميزة. ولكن المشكلة ليست فقط في مسمى الهوية، ولكن المشكلة الأكبر في البحث عن التميز الفعلي، ثقافيا واجتماعيا وحضاريا، فالجماعة المسيحية وهي تشكل تلك الحالة من الوعي، كانت تبني لنفسها تصورا مختلفا عن تصورها للآخر، بحيث تصبح مميزة عن الآخر، بصورة تمنع من ذوبان الطائفة في الوطن، بعد أن أصبحت الطائفة هي الوطن البديل، وربما الوطن الأصلي.

يمكن بالطبع البحث عن أثر أحداث العنف التي وجهت نحو المسيحيين، وقد كان لها أثرا بالفعل. ولكن المشكلة إذا تعلقت بأحداث عنف ترتكب في حق الجماعة المسيحية أو أي فرد منها، فإن المشكلة نفسها تنتهي إذا انتهت تلك الأحداث. ولكن إذا صورت أحداث العنف على أنها موجهة من جماعة الأغلبية الكارهة والمعادية لجماعة الأقلية العددية، فإن الصورة تختلف. لأن مع انتهاء أحداث العنف، نجد أن أثرها يظل مستمرا. والغالب في ما يطرح من تصورات داخل الجماعة المسيحية، هو النظر إلى الجماعة الأقل عددا باعتبار أنها ليست الفاعل الأصلي، وأن كل ما تقوم به هو رد فعل. ولكن المتابع لما يحدث في الظواهر الاجتماعية، يدرك أنه لا توجد جماعة كل سلوكها رد فعل، ولا توجد جماعة كل سلوكها فعل، حتى وإن كانت جماعة الأكثرية العددية.

يمكن القول أن رد فعل الجماعة المسيحية على حادثة موجهة ضدهم، يمكن تجاوزه بقدر ما يمكن علاج أسباب أحداث العنف، ولكن فعل الجماعة المسيحية وقرارها الذاتي الخاص بفصل هويتها عن المجتمع، والمحافظة على حالة التميز عن المجتمع، لا يمكن معالجتها إلا بقرار آخر من الجماعة المسيحية، أو المؤسسة الكنيسة التي ترعى مشروع الطائفة السياسية، أو الوطن البديل. فلا يمكن إقامة سلم اجتماعي في مصر، والجماعة المسيحية ترى أنها تختلف عن أغلب المجتمع، وأنها أفضل من الأغلبية العددية، وأنها مهددة بالفناء من قبل الأغلبية، وأنها تمثل الهوية الأصلية للمجتمع المصري، وترى أن الأغلبية العددية، وهي الجماعة المسلمة، غرباء عن أرض مصر. فالقناعة التي تتشكل على مدار عقود داخل جماعة تغلق أبوابها على نفسها، وتحتمي داخل مؤسستها الخاصة، أي مؤسسة المسيحية والطائفة معا، وهي الكنيسة، يصعب أن تتفكك، حتى وإن لم يعد لها سند أو سبب في الواقع.

والجماعة المسيحية مثل أي جماعة قليلة العدد في أي مجتمع، تحقق لنفسها الحماية من خلال اندماجها في المجتمع والتحامها معه. فمن خلال التضامن الاجتماعي والتعاضد والتراحم، يتأسس المجتمع المترابط. وفي المجتمع المصري، مثل المجتمعات العربية والإسلامية، يسود نمط المجتمع الشرقي المتدين المحافظ، وهو النموذج الذي يحقق المجتمع المتراحم، والذي ضم غير المسلم، وضم العديد من الأعراق والطوائف والمذاهب والأديان. فنموذج الترابط بين المسلم والمسيحي، يقوم أساسا على الاندماج والتعايش الاجتماعي، والذي يستند لقيم العيش المشترك التي تأسست في مصر. ولكن تلك الحالة لا يمكن استعادتها من خلف الجدران، ولا يمكن تحقيق تعايش عابر للأسوار. خاصة وأن التعايش يقوم أساسا على تعظيم المشترك، فقيم العيش المشترك، هي القيم الاجتماعية التي تميز المجتمع المصري، وتمثل قواعد التصرف والسلوك الاجتماعي. ولكن بناء الأسوار العالية، والبحث عن التميز، يفشل أي محالة لاستعادة قيم العيش المشترك. ورغم أن مصلحة الجماعة المسيحية ترتبط باستعادة قيم العيش المشترك، إلا أن الجماعة المسيحية مازالت تشيد أسوارها العالية، وتجعل من أسوار الكنيسة حالة تتمدد في وعيها الجمعي، فتجعل الجماعة المسيحية، جماعة خلف الأسوار. وهو ما يعرقل استعادة قيم العيش المشترك، ويعرض الجماعة المسيحية للخطر.

تقوم العلاقة بين مكونات الجماعة الوطنية، على التعايش والتفاعل الإيجابي، خاصة في المجتمعات ذات الطبيعة الشرقية المتدينة المحافظة، حيث يكون للخبرة الشخصية والاجتماعية دورها البارز في تأسيس العلاقة الإيجابية بين مكونات المجتمع المختلفة، وحيث يكون لشبكات العلاقات الاجتماعية دورها البارز في تنمية قيم المجتمع، وتعميق المبادئ والقواعد المتفق عليها بين الناس. ففي المجتمع المصري، تؤسس قيم العيش المشترك على التفاعل الإيجابي بين مكوناته، وتراكم الخبرات الشخصية والاجتماعية، التي تؤسس للقواعد المنظمة للسلوك الاجتماعي. حيث تصبح الخبرة المباشرة هي أساس تنمية العلاقات الإيجابية، والمصدر الرئيس للتعارف بين الناس. لهذا تصبح خبرة التفاعل بين المسلم والمسيحي على المستوى الشخصي والاجتماعي، هي المصدر الرئيس لصورة كل منهما لدى الآخر، مما يحدد موقف كل منهما تجاه الآخر.

وفي ظل مجتمع تقوم فيه خبرة التعايش بهذا الدور المركزي، تتأثر العلاقة بين المسلم والمسيحي بأي ضعف يلحق بحجم ومدى وعمق خبرات التعايش بينهما. وكلما تعمقت خبرات التفاعل بين المسلم والمسيحي، تراجعت المشكلات التي تحدث بينهما، وكلما ضعفت خبرات التعايش بين المسلم والمسيحي، تزايدت المشكلات المحتملة بينهما، وتزايدت أيضا احتمالات تكون صور سلبية لدى كل طرف عن الآخر.

وما يحدث لخبرات التعايش بين المسلم والمسيحي، يرتبط بموقف كل منهما، ولكن النظر لموقف الجماعة المسيحية له أهمية في حد ذاته، لأنه يمثل موقف الجماعة الأقل عددا، والتي تتأثر بما يحدث من توتر في العلاقة مع الجماعة الأكثر عددا، أكثر من غيرها. والمتابع لما حدث في مسار حركة الجماعة المسيحية منذ بداية مرحلة الإحياء الديني في سبعينات القرن العشرين، يلاحظ أن الإحياء الديني للجماعة المسيحية لم يكن فقط لجوءا للدين، بل كان أيضا لجوءا للكنيسة. فلم تقتصر عملية الإحياء الديني المسيحي، على استعادة دور الدين في حياة الجماعة المسيحية، بل شملت أيضا استعادة لدور الكنيسة في حياة الجماعة المسيحية، وهو أمر طبيعي إذا أقتصر دور الكنيسة على المجال الديني، ولكن ما حدث أن عملية لجوء الجماعة المسيحية للكنيسة أسفرت عن توسع تدريجي في دور الكنيسة في حياة المسيحي، حتى أصبح لجوء الجماعة المسيحية إلى الكنيسة، لا يقتصر فقط على الجانب الديني، بل يشمل العديد من جوانب الحياة الأخرى.

فلقد توسعت أدوار الكنيسة في العديد من المجالات الاجتماعية والتربوية والرياضية والتعليمية، بصورة جعلت أنشطة الكنيسة تشمل العديد من الأنشطة التي تقوم بها مؤسسات اجتماعية أخرى. وأصبحت الكنيسة توفر للمسيحي مجالا ليمارس العديد من أنشطته الحياتية العادية، والتي لا ترتبط بالمجال الديني، داخل الكنيسة. ولم يكن هذا اختيار الكنيسة فقط، بل كان اختيار الكنيسة والجماعة المسيحية معا. فالكنيسة لا تستطيع إجبار المسيحي على ممارسة النشاط الرياضي داخلها، ولكن لأن المسيحي أراد ذلك، والكنيسة وفرت فرصة لمثل هذا النشاط، حدث تقابل بين توجهات الكنيسة وتوجهات الجماعة المسيحية، مما عمق من عملية توسع نشاط الكنيسة خارج المجال الديني.

لم تكن تلك العملية قاصرة على مجرد ممارسة أنشطة داخل الكنيسة، لأنها حولت الكنيسة لمؤسسة قابضة للجماعة المسيحية، توفر لجماعتها العديد من احتياجاتها، بصورة تربط الجماعة المسيحية بها. فأصبحت الكنيسة تتمتع بنفوذ أكبر على الجماعة المسيحية، كما أصبحت الجماعة المسيحية تحتاج للكنيسة لتلبية العديد من الاحتياجات التي لا ترتبط بالمجال الديني. ولم تعد الكنيسة بهذا المعنى مؤسسة المسيحية، التي ترتبط بها الجماعة المسيحية في الشأن الديني، بل أصبحت مؤسسة الجماعة المسيحية التي تمارس من خلالها الجماعة العديد من أنشطتها الحياتية.

وعندما يمارس المسيحي نشاطه الاجتماعي أو الرياضي داخل أسوار الكنيسة، تقل فرص تفاعله مع المسلم، كما تقل خبراته خارج أسوار الكنيسة، ومعها تقل خبراته داخل مؤسسات المجتمع العامة. وبهذا يقضي المسيحي جزءا مهما من حياته في الكنيسة، ليس فقط في فترات العبادة، بل أيضا في فترات ممارسة النشاط الاجتماعي والترفيهي والرياضي، وهو ما يقلل من خبرات المسيحي في المجتمع العام، ويقلل خبراته مع المسلم. ومع الوقت يصبح تلاقي المسيحي مع المسلم مرتبطا بأوقات الدراسة والعمل، وتقل مساحة التفاعل في الحياة الاجتماعية. وتلك مشكلة كبرى، فالتفاعل خارج إطار العمل والدراسة، وفي المجال الاجتماعي، هو الذي ينتج ويؤسس الخبرات الاجتماعية للتعايش، ويعمق قيم العيش المشترك. فالحياة الاجتماعية، وما فيها من تفاعل، تمثل المجال الأهم لتكوين العلاقات الاجتماعية، وتراكم خبرات التعايش والتعارف. ولكن تضاؤل مساحة مشاركة المسيحي في الأنشطة الاجتماعية خارج الكنيسة، حجم من مساحة تفاعله من المسلم خارج إطار الأنشطة الرسمية، أي أنشطة الدراسة والعمل.

ولم يقتصر الأمر على تحجيم خبرات العيش المشترك، بل أيضا ساهم ذلك في تضخيم دور الكنيسة في حياة الجماعة المسيحية، بصورة جعلت للكنيسة دورا مركزيا في حياة المسيحي، خارج إطار المجال الديني. وتوسع دور الكنيسة جعل لها سلطة خارج إطار المجال الديني، وتمددت سلطتها إلى المجال السياسي والثقافي والفكري، فباتت الكنيسة تشكل الاتجاهات العامة لدى المسيحيين. فبعد لجوء الجماعة المسيحية إلى الكنيسة، تحولت الكنيسة إلى الحاضن المدني للجماعة المسيحية، وليس فقط الحاضن الديني. وهنا لم تعد توجهات الجماعة المسيحية تتشكل داخل إطار الحياة المدنية والاجتماعية، بل أصبحت تتشكل داخل إطار الكنيسة، وهذا ما جعل بعض التوجهات تسود بين الجماعة المسيحية بصورة كبيرة، وغير طبيعية، حتى باتت بعض المواقف تسود على أغلبية المسيحيين بنسبة مرتفعة، وهو أمر غير طبيعي، لأن سمة أي جماعة بشرية هو التعدد والتنوع. ولكن ارتباط الجماعة المسيحية بالكنيسة، وحد توجهاتها بصورة غير طبيعة، وجعل الجماعة المسيحية تبدو وكأنها كتلة واحدة، في مواقفها السياسية والثقافية والحضارية.

ولجوء الجماعة المسيحية للكنيسة لم يحدث في ظرف عادي، بل حدث كنتيجة لشعور الجماعة المسيحية بوجود خطر تتعرض له، ففي اللحظة التي نمى داخل الجماعة المسيحية الشعور بالاضطهاد، كانت تلجأ أكثر فأكثر للكنيسة، مما جعل الكنيسة هي الملاذ الآمن. والارتباط بين الفرد الذي يشعر بالخوف، وبين الملاذ الآمن، الذي يتصور أنه يحميه، يصبح ارتباطا عضويا قويا لا يمكن تفكيكه بسهولة. لذا أصبحت الكنيسة تمثل ملاذا آمنا، لجماعة تعيش في حالة خوف، أيا كان مدى واقعية هذا الشعور، لأن تأثير الشعور بالخوف لا ينتج من واقعيته، بل ينتج من سيطرة هذا الشعور على الجماعة أو الفرد. وعندما تتعامل الجماعة المسيحية مع الكنيسة بوصفها ملاذا آمنا، تصبح الكنيسة بالنسبة للجماعة المسيحية بديلا للدولة، ومع توسع دور الكنيسة، تتحول إلى دولة افتراضية، أي مؤسسة شاملة قابضة، معنية بكل شئون الجماعة المسيحية في مصر. وهكذا تجد الجماعة المسيحية نفسها داخل أسوار تحميها، أو تظن أنها تحميها.

هكذا انعزلت الجماعة المسيحية داخل أسوار الكنيسة، كما عزلت نفسها داخل وعي خاص بها، وتصورات خاصة بها، ولم تعد تتفاعل بصورة عميقة مع المجتمع المحيط بها، وهو ما يهدر فرص استعادة قيم العيش المشترك، وتعميق روابط العلاقة بين المسلم والمسيحي. وإذا كانت الجماعة المسيحية ترى أن انعزالها نتاج وجود مشاكل تتعرض لها، أو عدم رغبة الأغلبية في التعامل معها، فإن معالجة أي مشكلات بتعميق العزلة داخل أسوار الكنيسة، والحد من خبرات التفاعل الاجتماعي، يعني أن الجماعة المسيحية تحول ما تشعر به من غربة في المجتمع، إلى حالة انفصال كامل عن المجتمع، مما يجعل الغربة تتحول إلى واقع فعلي، بعد أن كانت شعورا متصورا. فتحول الكنيسة إلى مؤسسة بديلة عن المجتمع والدولة في حياة الجماعة المسيحية، يعرقل فرص استعادة وحدة المجتمع المصري.

المتابع لموقف الكنيسة والجماعة المسيحية في مصر من الشأن السياسي، يلحظ توجها واضحا نحو الخيار العلماني السياسي، حسب النموذج السياسي الغربي. وخلال المراحل المختلفة من القرن العشرين، أقبل قطاع من الجماعة المسيحية المصرية نحو الاتجاهات الليبرالية ممثلة في حزب الوفد، كما أقبل قطاع منها على الاتجاهات اليسارية. ولكن ظلت الجماعة المسيحية تمثل تيارا محافظا في أساسها. ولكن التوجه العلماني الذي ينتشر داخل الجماعة المسيحية والكنيسة، أصبح يمثل خيارا سياسيا، تتبناه الكنيسة كممثلة للجماعة المسيحية سياسيا، وتتوافق عليه الجماعة المسيحية، بصورة تجعلها كتلة سياسية واحدة، لها مطالب طائفية خاصة، وتؤيد اتجاها بعينه، ترى أنه يلبي مطالبها الطائفية الخاصة.

والتأييد المسيحي لليبرالية العلمانية، يتعارض مع طبيعة الجماعة المسيحية وطبيعة الكنيسة نفسها. فالناظر إلى تكوين الجماعة المسيحية في مصر، يجد أنها جماعة محافظة، وليست علمانية أو ليبرالية بأي معنى من المعاني. فالفكر الليبرالي أو العلماني لا ينتشر داخل الجماعة المسيحية، وقواعد السلوك الليبرالي غير متبعة داخل الجماعة المسيحية، كذلك فإن قيم الليبرالية لا تعلم داخل الكنيسة، فتعاليم الكنيسة المصرية تستند للنمط الشرقي المتدين المحافظ، من حيث القيم التي تنشرها بين المسيحيين. مما يجعل الجماعة المسيحية، جماعة محافظة، حتى وإن أيدت التوجه العلماني الليبرالي سياسيا. وهنا تظهر ازدواجية بين القيم الممارسة اجتماعيا وأسريا، وبين القيم المتبناة سياسيا.

والجماعة المسيحية لا تقوم في أغلبها بدور سياسي مباشر، وهي لا تنشر القيم الليبرالية سياسيا، ولا تعمل على توسيع قاعدة الأحزاب والنخب الليبرالية شعبيا. فهي لا تمارس عملا سياسيا جماهيريا من أجل نشر الليبرالية. ولكن الكنيسة والجماعة المسيحية تعلن فقط تأييدها للحكم العلماني، متمثلا في النظام الحاكم، رغم أنه حكم علماني مستبد، ورغم أن الكنيسة والجماعة المسيحية توجه نقدا شديدا للنظام الحكم، وتعتبره يضطهدهم. ومعنى هذا، أن الكنيسة ومعها الجماعة المسيحية تدعم بقاء النظام العلماني المدعوم غربيا، مع كل مشكلاته، ورغم استبداده وفساده. فالتوجه العام السائد في الوسط المسيحي، يرجح ويفضل الخيار العلماني، حتى وإن لم يكن هذا الخيار يحظى بتأييد شعبي. مما يعني ضمنا، أنه لا يوجد تأييد من الوسط المسيحي للديمقراطية والحرية، إلا إذا كانت محكومة بقواعد علمانية غير قابلة للتعديل. وبهذا تصبح الجماعة المسيحية والكنيسة مؤيدة لفرض النظام العلماني بدعم غربي، أيا كان موقف المجتمع من هذا النظام.

لهذا لا نجد موقفا صريحا من الاستبداد، لأن العلمانية كمشروع سياسي غربي، تقوم على قيم مناهضة لقيم المجتمع المصري، وتعارض القيم المحافظة الدينية. والمجتمع المصري في أغلبه يمثل الخيار المتدين المحافظ، مما يعني أن الخيار العلماني المتحرر لن يجد تأييدا شعبيا، ومع هذا تؤيد الجماعة المسيحية والكنيسة هذا الخيار، رغم أنه لن يتحقق إلا بفرضه على المجتمع.

وهنا تظهر ازدواجية خاصة بالجماعة المسيحية وبالكنيسة. لأن اختيار النظام العلماني بالنسبة لهما، ينحصر في تطبيق العلمانية على النظام السياسي، وليس على حياة الجماعة المسيحية. ومعنى هذا، أن تبقى العلمانية مطبقة خارج الجماعة المسيحية وخارج أسوار الكنيسة، دون أن يكون لها تأثير على الحياة الاجتماعية والدينية للمسيحيين. ويقوم هذا التصور على دور الكنيسة باعتبارها المؤسسة الحاضنة للمسيحية، حيث يفترض أن العلمانية لن تؤثر على الكنيسة، وبالتالي لن تتمدد داخل الكنيسة وفي حياة الجماعة المسيحية. ويفترض أن يحدث هذا ضمنا مع الجماعة المسلمة، ولكن في الإسلام لا توجد كنيسة، والإسلام يتحقق ويوجد في حياة المسلمين في المجال العام. ومعنى هذا، أن العلمانية سوف تتمدد وتنحي الإسلام من حياة المسلمين، وتبقى الجماعة المسيحية تحمي نفسها وقيمها ومسيحيتها داخل أسوار الكنيسة. وكأن توجه الجماعة المسيحية والكنيسة، يؤدي إلى علمنة السياسة والمجتمع، ونشر العلمانية بين المسلمين، مع بقاء الجماعة المسيحية محافظة على طابعها الشرقي الديني المحافظ.

وهذا الموقف يعبر عن رؤية طائفية لا تضع في اعتبارها مواقف المجتمع، وتتجاهل موقف الأغلبية، حيث تبحث الجماعة المسيحية عن ما تراه حلا لمشكلاتها، بغض النظر عن تأثير ذلك على الأغلبية المسلمة، وتأثيره على المجتمع عامة. وهنا تفصل الجماعة المسيحية نفسها عن المصلحة العامة للمجتمع، وتفصل نفسها عن الرأي العام السائد في المجتمع، وتبحث عن الوضع الأنسب لها، بغض النظر عن تأثير هذا الوضع على المجتمع والأغلبية.

كما أن هذا التصور ليس تصورا واقعيا، فلا يمكن تمدد العلمانية والليبرالية في مجتمع على حساب الدين، دون أن يمس هذا كل الأديان، بما فيها دين الجماعة الأقل عددا. فتصور أن العلمانية سوف تنتشر في المجال العام فقط، ولن تؤثر على قيم وطبيعة الجماعة المسيحية، ولن تؤثر على دور الكنيسة، هو أمر غير واقعي. فالعلمانية تنحي الدين، وتجعله شأنا فرديا، وتلغي أي دور عام أو جماعي له. لهذا فالعلمانية في الغرب أثرت على المسيحية ونحتها من الحياة، رغم وجود الكنيسة، فأسوار الكنيسة لا يمكن أن تصد الموجات العلمانية. وعندما تصبح القيم السائدة في المجتمع قيما غير دينية، تصبح قيم الدين في خطر، لأن النظام العام لا يحمي قيم الدين.

والمثال الواضح على ذلك، ما يعانيه المسيحي المصري المهاجر للخارج، والذي يبذل جهدا خاصا في حماية أبناءه من المجتمع الغربي العلماني، حتى يربي أبناءه على القيم الدينية المحافظة. وهو ما يمكن أن يحدث في المجتمع المصري نفسه، إذا انتشرت القيم العلمانية، حيث ستعاني الأسر المتدينة، وهي تحاول الحفاظ على تربية أبنائها على القيم الدينية. كما أن انتشار العلمانية في النظام السياسي المصري، أدى إلى مشكلات واجهت الكنيسة المصرية بالفعل، فقد واجهت حالات التعرض للدين، ضمن ما يعتبر حرية تعبير، وقامت الكنيسة تدافع عن الدين، وتطلب منع التعرض للمقدسات، وهي بهذا تخالف القيم العلمانية، وتستند لمرجعية الشريعة الإسلامية. وعندما رفضت الدولة تعديل قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، وأصدرت المحكمة حكما يلزم الكنيسة بالالتزام باللائحة المعتمدة، رغم أن الكنيسة ترى في هذه اللائحة أحكاما تخالف تعاليم الإنجيل، رفضت الكنيسة الخضوع لحكم المحكمة، وتصرفت بصورة تعد من وجهة نظر القانون الوضعي بمثابة تعطيل للقانون والدستور وخروج على النظام العام، ولكن الكنيسة احتمت في النهاية بالشريعة الإسلامية.

ومعنى هذا، أن الكنيسة تحتاج للشريعة الإسلامية لحماية دورها، وحماية الحياة الدينية للمسيحيين، ولكنها تؤيد العلمانية في الشأن العام، الذي تعتبره لا يخص الكنيسة ولا يخص المسيحيين. وهي ازدواجية، تجعل الكنيسة والجماعة المسيحية تنتقي العلمانية في مواقف والشريعة الإسلامية في مواقف أخرى، بغض النظر عن موقف المجتمع وعن مصلحته وموقف الأغلبية المسلمة. وفي النهاية لا يمكن أن تطبق الشريعة الإسلامية في القضايا التي تحتاجها الكنيسة لحماية دورها وحماية المسيحية، وتطبق العلمانية في غير ذلك من الأمور، وكأن الكنيسة والجماعة المسيحية هي التي سوف تحدد الحدود المسموح بها لدور الدين ومرجعيته، والحدود المسموح بها لتطبيق الشريعة الإسلامية.

واختيار علمنة النظام العام، وحماية الكنيسة والجماعة المسيحية من آثار العلمنة، يمثل موقفا يفصل الجماعة المسيحية عن المجتمع، ويضعها في مواجهة الأغلبية المسلمة. مما يجعل الجماعة المسيحية هي العقبة أمام تطبيق الشريعة الإسلامية، رغم أنها تستند إلى هذه الشريعة عندما تواجه أخطارا تهدد دور الدين والكنيسة في حياتها. وكأن الجماعة المسيحية ومعها الكنيسة أصبحت معنية بالحفاظ على قيمها وطابعها، أيا كان تأثير ذلك على المجتمع. وعندما تفصل الجماعة المسيحية مصالحها عن مصلحة المجتمع، تعزل نفسها وتتحول في لحظات ما إلى جماعة قليلة العدد في مواجهة المجتمع.

الجماعة الدينية الأقل عددا في أي مجتمع، خاصة إذا كان هذا المجتمع يغلب عليه التدين، يكون لديها حساسية خاصة من مسألة الحرية الدينية وحرية الاعتقاد. فهي تتأثر بأي اتجاهات تعرقل أو تحد من الحرية الدينية. فبحكم قلة عددها، يكون لديها شعور بأن أي حد من الحرية الدينية، سوف يؤثر على حريتها في ممارسة شعائرها، والحفاظ على هويتها الدينية. لذا نجد أن الجماعات الدينية الأقل عددا في أي مجتمع، تركز على تعميق الحرية الدينية وحرية الاعتقاد، وتدافع عنها، وتؤيد الأحزاب أو الاتجاهات التي تدافع عن الحرية الدينية بمختلف صورها، بما في ذلك حرية استخدام الرموز الدينية، وإظهار الهوية الدينية، واحترام العقائد الدينية والحفاظ على قدسيتها، وحمايتها من أي تعدي يلحق بها.

لكن الجماعة المسيحية في مصر، سارت في عكس الاتجاه الطبيعي. فهي جماعة دينية أقل عددا، لذا يفترض أن تكون المدافع الأول عن الحرية الدينية وحرية الاعتقاد واحترام العقائد، ولكنها مع هذا اتخذت مسارا مغايرا، في تطور لافت للنظر، أيا كانت مبرراته. بدأ هذا مع قضية زوجة الكاهن وفاء قسطنطين في عام 2005، حيث احتجت الكنيسة الأرثوذكسية رسميا على ما اعتبرته غيابا أو اختطافا لها، واحتج شعب الكنيسة وتظاهر داخل أسوارها، حتى سلمت قوات الأمن وفاء قسطنطين للكنيسة، وظهر بعد ذلك أنها أسلمت، ومع ذلك ظلت معتقلة في الكنيسة، لا يعرف أحد مكانها أو حالتها. وبات واضحا أن السيدة وفاء ترفض العودة للمسيحية، وترفض أيضا رواية أي قصة تنفي إسلامها، وهو ما يتضح من استمرار احتجازها في الكنيسة، وعدم ظهورها أمام الرأي العام.

تلك الحادثة تكشف عن موقف رأت فيه الكنيسة الأرثوذكسية وأعضائها، أن زوجة الكاهن لا يحق لها تغيير دينها، وأن من حق الكنيسة منعها من تغيير دينها، حيث اعتبرت ممثلة للكنيسة وجزء من كرامتها، كما اعتبرت بحكم أنها زوجة كاهن شخصية لها تأثير على عامة الناس، بما يعني أن تحولها إلى الإسلام سوف يؤثر سلبا على شعب الكنيسة، أو ربما يفتح الباب أمام تزايد حالات التحول إلى الإسلام. وفي كل الحالات، فقد تصرفت الكنيسة وشعبها، على أساس أن زوجة الكاهن ليس لها الحق في اختيار العقيدة التي تؤمن بها، وأنها محرومة من حرية الاعتقاد. في حين أن زوجة الكاهن، مثل أي زوجة أخرى لأي مسيحي، فهي إنسانة أولا وأخيرا. كما أن التحول من دين لآخر، يمكن أن يحدث من أي شخص، سواء كان يرتبط بأحد قيادات المؤسسة الكنسية أم لا. كما أن تحول زوجة الكاهن للإسلام، مثله مثل تحول أي مسيحي للإسلام، فهو قرار شخصي. والتحول من دين إلى آخر، لا يمثل تهديدا للمنتمين للدين، ولا للمؤسسة التي تمثل هذا الدين.

وهنا ظهر أن موقف الجماعة المسيحية رافض لحرية الاعتقاد، عندما تصور أنها تمس مكانة المسيحية أو الكنيسة، على خلاف المفترض من مواقف تتسم بها الجماعات الدينية الأقل عددا، لأنها -كما قلنا- تناصر الحرية الدينية وحرية اعتقاد، وترى أنها أول من يتأثر بأي تصرف يحد من حرية الاعتقاد. ولكن تصرف الكنيسة وشعبها ضد حرية زوجة الكاهن في تغيير دينها، قدم نموذجا ضد حرية الاعتقاد، وقدم مثالا من الجماعة المسيحية على عدم تسامحها مع الحرية الدينية، وهي رسالة في عكس الاتجاه، توجه للجماعة المسلمة الممثلة للأغلبية، وكأنها فعل يدفع جماعة الأغلبية لعدم التسامح مع حرية الاعتقاد، أو التحول من دين إلى آخر.

ورغم أن واقعة السيدة وفاء، كانت لها آثار سلبية عديدة، خاصة على العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر، لأنها أثارت عامة المسلمين، بسبب تواطؤ الكنيسة والدولة على منع مواطن مصري من التحول إلى الإسلام، إلا أن قضية كاميليا شحاتة، جاءت لتكرر نفس المشهد مرة أخرى، رغم كل النتائج السلبية المتراكمة منذ حادثة وفاء قسطنطين. ومرة أخرى، يتم القبض على زوجة الكاهن، التي تركت المنزل للتحول إلى الإسلام، ثم تسلم إلى الكنيسة ويتم التحفظ عليها، وتخضع لضغوط نفسية متوالية، حتى تتراجع عن موقفها، ثم تتواصل فترة اعتقالها، وتنضم لمن سبقتها. وكل مشاهد الحادثة تؤكد على إصرار من جانب الكنيسة وشعبها، على منع زوجة الكاهن من التحول إلى الإسلام، ولكن بعض الأحداث السابقة واللاحقة، توضح أن الأمر يمتد لأي امرأة أخرى. حيث تعمل الكنيسة على تسلم من تحاول التحول إلى الإسلام، من أجهزة الأمن، خاصة إذا لم تكن قد أكملت الإجراءات، وأمكن الوصول لها. وفي بعض الحالات يتم منع من تريد التحول إلى الإسلام، بعيدا عن أعين وسائل الإعلام، من خلال توافق بين الدولة ممثلة في أجهزة الأمن والكنيسة. فأصبحنا بصدد موقف من الكنيسة وشعبها، يحاول منع أي امرأة من التحول إلى الإسلام. وبالطبع يقتصر الأمر على المرأة، حيث يكون تركها للمنزل مدان حسب التقاليد، ويمكن اعتباره اختطافا، ويمكن القول بأنه قد غرر بها، وغير ذلك من المبررات، ولكن في حالة الرجل الذي يتحول إلى الإسلام، فالأمر يتم بصورة طبيعية ولا تتدخل الكنيسة، عدا في بعض الحالات الخاصة بشباب صغير السن، فلا يمكن التحفظ على رجل وتسليمه للكنيسة، وكأن بعض التقاليد الشائعة قد استخدمت لتجعل المرأة في النهاية تحت ولاية الكنيسة، خاصة وأنه يمكن القول أن المرأة اختطفت، ويصعب القول عن الرجل أنه اختطف.

وهكذا تتوسع الكنيسة وشعبها في فرض وصاية على المسيحي حتى لا يتحول إلى الإسلام، ولكن هذا الموقف ينقض قواعد الحرية الدينية وحرية الاعتقاد، وهي حريات تفيد الجماعة المسيحية بأكثر مما تحتاجها الجماعة الممثلة للأغلبية. مما يعني أن الجماعة المسيحية في مسار اندفاعها الغاضب، أصبحت تهدر بعض القيم الأساسية التي تحتاجها لتحمي تميزها الديني، فبدلا من التعامل بما تمليه قيم التسامح الديني مع من يتحول من المسيحية، تحاول الجماعة المسيحية منع من يتحول إلى الإسلام، وكأنه بهذا يتجاوز كرامة الكنيسة وشعبها. ويصبح بعد ذلك، كل دفاع من الجماعة المسيحية عن حرية اختيار الدين بلا معنى، لأنها لم تقدم نموذجا يدل على قناعتها بحرية الاعتقاد.

والأمر لا يتوقف فقط على حرية الاعتقاد، بل يصل أيضا لقضية احترام العقائد. فقد ظهرت قنوات فضائية، تحمل برامج مسيئة للإسلام، كجزء من منهج تبشيري وضعه الغربيون، يقوم على التبشير بالمسيحية من خلال نقد وربما تجريح العقيدة الإسلامية. والأمر لم يقتصر على تلك القنوات، وعلى رموز هذا المنهج التبشيري، بل امتد من خلال كتب تهاجم الإسلام، يتم توزيعها من قبل هيئات تبشيرية أجنبية يعمل فيها مصريون مسيحيون، وبعضهم متحولين من الإسلام، ويقوموا بتوزيع هذه الكتب في الشوارع والبيوت، وهي ظاهرة ليست جديدة، ولكنها تمادت وانتشرت. والمشكلة الأكبر ما يلاقيه رموز منهج التبشير القائم على تجريح العقائد الإسلامية، من تأييد بين الجماعة المسيحية، حتى وإن كان هذا التأييد ليس له حضور عام، ويظل حاضرا فقط داخل الجماعة المسيحية. فمن يسمح لنفسه ولغيره بتجريح عقائد الآخرين، عليه أن يتحمل تجريح عقيدته أيضا. والجماعة الدينية الأقل عددا، إذا تزايدت ظاهرة تجريح العقائد الدينية، تصبح هي المتضرر الأول، ومع هذا نجد الجماعة المسيحية لم تقف ضد تجريح عقائد المسلمين، رغم أنه يعرضها لتجريح عقيدتها، ويفقدها المبرر عندما تحاول منع تجريح العقائد.

فتحت مظلة حماية الجماعة المسيحية وهويتها وتميزها وعقيدتها، نجد الجماعة المسيحية مندفعة في سلوك يتعارض مع القيم الأساسية التي تحمي العقائد، وتحمي الجماعات الدينية الأقل عددا، مما يجعل الجماعة المسيحية تساعد على انتشار أوضاع تخل بالحرية الدينية وحرية الاعتقاد، رغم أنها أول من يتأثر سلبا بهذا المناخ.

 

Advertisements
This entry was posted in Religion. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s