‘الانكماش’ الفقهي

حسن السفياني: المحاضر بجامعة الإمام / قسم أصول الفقه – مجلة العصر
إلا أننا وفي أحيان كثيرة نمارس ما يمكن أن أطلق عليه “الانكماش الفقهي” على فقه هو بطبيعته لا يقبل مثل هذا النوع من الممارسة، لأنها تخالف بنيته وطبيعته من كونه متفاعلاً مع واقعه لا منكمشاً على ذاته، ليقف في الزمان والمكان بدلاً من تفاعله الإيجابي المنتج لحلول وقائع زمانه ومكانه.. وبالمناسبة لا داعي أبداً من الخوف على الثوابت الشرعية أن تهتز أو تذوب أو تتلاشى، فإن معرفة ما هو ظني اجتهادي متغير، وبين ما هو ثابت مستقر،

إن أي نهوض لأمة من الأمم لابد أن يسبقه استيعاب للواقع المعاش الذي تتحرك فيه، والذي يمكّنها من تقديم الحلول الفاعلة المتسقة مع السنن والقوانين الإلهية المودعة في هذا الكون، أما القفز إلى الأعلى دون أرضية صلبة قادرة على امتصاص قوة تلك القفزة، أو الوقوف دون التفاعل مع سنن التدافع، فهو المسمار الأول في نعش تلك الأمة.

وأي فكر يحاول النهوض بالأمة دون إدراك ذلك، فهو نكوص بالأمة وليس نهوضاً، وإن حسنت النوايا واستقام الظاهر.

والحفاظ على الهوية والخوف من الذوبان في عالم بات مفتوحاً على مختلف الثقافات والأديان، مع طغيان المادة التي يحركها مخربو الاقتصاد عن طريق الشركات العابرة للقارات المتعددة الجنسية، مع إعلام بدأ يسيطر على تفاصيل الحياة اليومية في حياة كثير من المسلمين، حتى استحق (التلفاز) أن تطلق عليه جريدة لوموند دبلوماتيك الفرنسية اسم “ولي الأمر الثالث”، مما نحت في جسم الأمة ندوباً بارزة، كل ذلك حدا بنا أن نلتفت إلى الحفاظ على الهوية والخوف من الذوبان، إلا أن ذلك لا يبرر أبداً المبالغة في ذلك حتى بات في العقل الجمعي لدينا أن هناك عدواً خلف كل باب نفتحه يريد أن يغتال هويتنا، مما حولنا مع الوقت إلى مجموعة من “الانكماشيين”.

إن هذا الانكماش والتقوقع داخل الحصون جعلنا نهمل سنن الله في تغير المجتمعات، والتي تحول المسلم من مجرد إنسان خائف متشائم إلى إنسان متفاعل، كالطبيب الماهر الذي يحول الألم إلى ابتسامة أمل على شفتي مريضه، وتجعله ذلك المسلم الذي يغرس شجرة العطاء والنماء ولو كانت الساعة على الأبواب.

يجب أن نملك أولاً الوعي الكافي الذي يجعلنا نفرق بين تحصين الذات الذي يدفعنا إلى الانكماش، والانكماش فقط، وبين تحصين الذات الذي يدفعنا للنهوض ويحرضنا على العمل الدؤوب الذي من شأنه أن يجعلنا (خير أمة أخرجت للناس).

والفقه كأداة فاعلة متحركة، يتضمن في بنيته الكثير والكثير من الأطر العامة التي من شأنها أن تنتج حلولاً مستمرة، كنوع إيمان بصلاحية التشريع الإلهي لكل زمان ومكان.

إلا أننا وفي أحيان كثيرة نمارس ما يمكن أن أطلق عليه “الانكماش الفقهي”، على فقه هو بطبيعته لا يقبل مثل هذا النوع من الممارسة، لأنها تخالف بنيته وطبيعته من كونه متفاعلاً مع واقعه لا منكمشاً على ذاته، ليقف في الزمان والمكان بدلاً من تفاعله الإيجابي المنتج لحلول وقائع زمانه ومكانه.

والمقصود بهذا الانكماش هو الانغلاق على أقوال فقهية اجتهادية محددة، ومنهجية محددة في الفتوى، مما أضفى مع الوقت هالة من التقديس على تلك الأقوال، وأكسب ما هو ظني اجتهادي صفة القطعية، وما هو متغير متحول صفة الثبات والاستقرار، وبدأت تلك المسائل تكتسب صفة الهدى والضلال والحق والباطل، بدلا من الراجح والمرجوح، والأجرين للمصيب والأجر الواحد للمخطئ.

ومن الممكن أن نتلمس بعض الأسباب التي أدت إلى ذلك، والتي منها فيما أحسب:

1- النزوع نحو المبالغة في سد الذرائع: ومنهج الخلل هنا لا يكمن في العمل بسد الذرائع في ذاته، وإنما يكمن في اتخاذه منهجاً للفتوى، مما أدّى إلى الانغلاق على فتاوى تتسم بالقطعية، وهذا تسبب في إيقاع الحرج فيما فيه رفع له، وإلى الضيق فيما فيه سعة، وإلى العسر فيما فيه يسر.

وقد قرر القرافي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم: أنه ينبغي سد الذريعة المفضية إلى مفسدة راجحة، وإن كانت الذريعة في نفسها مباحة، كما ينبغي فتح الذرائع إن كانت تفضي إلى طاعات وقربات مصلحتها راجحة.. فالتوازن بين سد الذريعة وفتحها هو المطلوب لا الجنوح إلى أحد الطرفين.

2- الالتفات إلى ظواهر النصوص دون الالتفات إلى روح النص ومقصده: فالدليل الشرعي إن خالف ظاهره أصول وقواعد الشريعة ومقاصدها، فلا يجوز الأخذ بذلك الظاهر، بل لابد من إعمال أدوات فهم النص، وذلك بالنظر إلى مقصده ومآله وعوارضه المؤثرة عليه من تخصيص وتقييد ونسخ وتأويل وبيان ونحو ذلك.

بل إن هناك دليل مهم اهتم به العلماء في أصولهم وطبقوه في فروعهم، وأصلوا له وكشفوا عن معناه، يدور حول الاهتمام بالمقاصد والمآلات، وهو دليل الاستحسان، الذي وإن صنف أنه من الأدلة المختلف فيها، إلا أن مآل هذا الاختلاف إلى اللفظ لا إلى المعنى، فجميع الأئمة استخدموه لكن بدرجات متفاوت فيما بينهم، كما قرر ذلك السمعاني والشيرازي والشوكاني، ومن غير فهم لذلك سننكمش حول حرفية النص حيث يريد الشارع الالتفات إلى روح النص ومقصده، فنسيء للشريعة حيث نريد الإحسان.

3- عدم إعمال قاعدة تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمنة والأمكنة والأعراف أثناء الفتوى الفقهية: فحياة الناس يطرأ عليها من التطور والتغير والتبدل مما يوجب على المفتي أن يهتم بتحقيق المناط عند تنزيل الحكم على واقع المستفتي، ويزداد هذا الأمر خطورة في الفتوى الفضائية، التي تتخطى المكان، وتنتقل من المحلية إلى العالمية.

والمفتي إذا لم يراع الزمان والمكان وحال المستفتي وأعراف بلده، فسيوقع المستفتي في الحرج والعنت والمشقة..

يقول ابن القيم عند حديثه عن تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: “هذا فصل عظيم النفع جداً، وقد وقع بسبب الجهل به غلطٌ عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه”. ويقول القرافي: “إن إجراء الأحكام التي مداركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد: يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة”.

وعليه، فينبغي للفتوى الفقهية أن تراعي كل ذلك، وأن يتسع نظر الفقيه إلى ما هو أبعد من المحلية، وخصوصاً في الفتوى الفضائية ـ كما سبق ـ، وإلا فهي الجناية على الدين باسم الدين.

وما سبق يطول تفصيله، واكتفيت بما أظنه الأهم، ويكفي من المعنى ما يوصل المقصود إلى الأفهام.

وهذا الانكماش الفقهي أول ما أفقدنا عقلية الفقيه اليقظة والحذرة والقادرة على الاختبار والفحص، وإنتاج الحلول ، وتحول بعض طلبة العلم إلى التلقي الكسول للنص بدلاً من التفاعل معه بإعمال أدوات فهم النص، والتي سطرها فقهاء كبار تفاعلوا مع النص والواقع، كما فعل الشافعي في رسالته. وقد صادف هذا الانكماش انفتاحا تجاوز الخصوصية المكانية والثقافة المحلية عبر ثورة اتصالية قربت البعيد، وألغت خصوصية القريب.

هذا الانفتاح جعل سماع القول الآخر أمراً ميسوراً وسهلاً، مما جعل شرائح من المجتمع تفقد جزءاً ليس باليسير من ثقتها بطلبة العلم، والذي بدأ يتهمهم بالجمود والانغلاق، ومن جانب آخر بدأ التخبط بين الأقوال دون القدرة على التعامل مع هذا الاختلاف والذي لم يعتاده المجتمع من قبل.

إن الانكماش الفقهي ليس حلاً، بل الحل في رفع درجة الوعي المجتمعي في كيفية التعامل مع هذا الخلاف، أي أننا بحاجة إلى “فقه الخلاف” لا إلى “فقه الانكماش”.

وبالمناسبة لا داعي أبداً من الخوف على الثوابت الشرعية أن تهتز أو تذوب أو تتلاشى، فإن معرفة ما هو ظني اجتهادي متغير، وبين ما هو ثابت مستقر، لا يزيد الثوابت إلا رسوخاً، لأن من شأن ذلك أن يزيل أي تراكمات تاريخية، أو اجتهادات شخصية علت على تلك الثوابت والقيم الراسخة.


 

Advertisements
This entry was posted in Muslim Affairs. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s