خريطة طريق للرئيس: رؤية هولبروك الإستراتيجية للعودة الأمريكية

ولتكون الولايات المتحدة على رأس العالم من جديد، كما يدعي هولبروك، على الرئيس أن يستعيد المبادرة في اثنين من أهم المجالات التي تراجعت فيها الولايات المتحدة لحساب دول مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل ودول أخرى: الاقتصاد المحلي الداخلي “شبه “المنهار” بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، وصورتها المشوهة في العالم..
بقلم يوسف شلي – مجلة العصر

من الأهمية بمكان، وبعد وفاة الدبلوماسي الأمريكي الشهير ريتشارد هولبروك منذ حوالي أسبوع، قراءة ما كتبه منذ عامين في مجلة (Foreign Affairs) بتاريخ 07 نوفمبر 2008م، حول المسارات التي يجب على الولايات المتحدة اتباعها للعودة من جديد لريادة العالم واحتلال مكانتها التي تستحقها بين الأمم العظمى.

قد يكون هذا الكلام وجه في حينه إلى الرئيس بوش الابن، لكنه يبقى صالحا لوريثه الحالي باراك أوباما، خاصة عندما قال: “سوف يرث الرئيس المقبل قيادة أمة لا تزال الأقوى في العالم، رغم التراجع الحاصل لها بعد غزو أفغانستان والعراق والتجاوزات الكبيرة في حقوق الإنسان تحت مضلة الحرب الكونية على ما يسمى بالإرهاب الدولي، وهي أمة غنية دائما بوعودها وحيويتها، وأمة من أكثر الأمم تنوعا ونشاطا، وهي الأمة التي تقدر وينبغي عليها مرة أخرى إلهام وتعبئة وقيادة العالم من جديد”..

وهو يرى أن مهمته الرئيسة، بعد فترة من الانجراف والشكوك، والتراجع، والأخطاء الكارثية، التي كان بطلها الرئيس السابق بوش الابن، إعادة بعث فكرة وجود هدف وطني والشعور بالقوة، لا شيء أقل من ذلك. ويجب عليه أيضا إعادة تحديد السياسات والقدرة على مواجهة مجموعة من التحديات الهائلة، محليا ودوليا، مع تجديد علاقات العمل مع أصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة.

وفي المجال الاقتصادي، يرى هولبروك ضرورة أن يتخذ الرئيس “المقبل”، أي “الحالي”، قرار تنشيط “اقتصاد” أمريكا “المتراجع” و”المتذبذب”، والسيطرة على الميزانية التي تعاني من عجز كبير جدا لا يطاق، والحد من الاعتماد على الطاقة ومعالجة المسائل الحيوية المتعلقة بالتغيرات المناخية، وتطويق ومحاصرة خطر الانتشار النووي المتزايد في أخطر مناطق النزاع العالمي “الشرق الأوسط”، وتعزيز الدفاع عن الوطن ضد “الإرهاب العالمي”، مع زيادة الضغط على القاعدة، سيما في باكستان، وبطبيعة الحال، إدارة حربين في وقت واحد، مع أهمية تحقيق نجاحات ميدانية ينتظرها الشعب الأمريكي بفارغ الصبر.

ويعتقد السفير هولبروك، بأن رئاسة الولايات المتحدة هي أهم وظيفة يمكن تصورها والحلم بها، وأن الرجل المسؤول عليها يحمل آمالا وأحلاما، وأحيانا، مخاوف وإحباطات وغضب الكثير من الناس عبر العالم.

والتوقع بأن الرئيس له القدرة والإمكانات لحل جميع المشاكل أمر غير واقعي بالطبع، ولكن حتما ستواجهه هذه الآمال في بلد الأحلام مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

ولتكون الولايات المتحدة على رأس العالم من جديد، كما يدعي هولبروك، على الرئيس أن يستعيد المبادرة في اثنين من أهم المجالات التي تراجعت فيها الولايات المتحدة لحساب دول مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل ودول أخرى: الاقتصاد المحلي الداخلي “شبه “المنهار” بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، وصورتها المشوهة في العالم.

وحتى لو كان الاقتصاد يعتبر عادة مسألة داخلية، فإن تنشيطه وإعادة فاعليته من الأهمية القصوى أيضا بالنسبة للأمن الأمريكي على المدى الطويل، ولضمان استمرارية التفوق العسكري الأمريكي.

وسوف يتطلب الأمر أكثر من مجرد إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية، بل سيكون من الضروري اعتماد سياسة وطنية جديدة بشأن الطاقة والتغير المناخي. ومن الضروري أيضا حسب الرؤية الخاصة للسفير هولبروك، استعادة احترام القيم الأمريكية والقيادية، ليس لأنه من الجميل أن تمتلك شعبية، ولكن لأن الاحترام هو شرط أساسي لسلطة شرعية وتأثير مستمر على الغير.

وعلى الرئيس أن يعالج في أسرع وقت ممكن هاتين المسألتين لتعزيز سلطته عندما سيكون مضطرا إلى الخوض أيضا في المشاكل الملحة الإستراتيجية التي تطرحها الدول الخمس المجاورة، الواقعة في وسط منطقة أزمة تهدد مباشرة أمن وسلامة الولايات المتحدة، وهي: تركيا والعراق وإيران وأفغانستان وباكستان.

ويقر السفير هولبروك بحتمية اتخاذ عدة تدابير استعجالية وبسرعة فائقة، لأنها تدخل في المهام الأساسية للسلطة الرئاسية دون غيرها، ومن المرجح أن يكون لها تأثيرات فورية على الوضعين الداخلي والخارجي: أولها، الحظر الرسمي ودون غموض بشأن التعذيب، وثانيها، إغلاق معتقل جوانتانامو، الذي ما عاد يحتجز اليوم سوى حوالي 260 سجين، وهي لفتة “إنسانية” قد تكون بالنسبة للكثيرين في العالم، وخاصة العالمين العربي والإسلامي، من أهم وأقوى اللفتات في هذا الوقت الصعب. فجوانتانامو، ينبغي ألا يشكل عبئا “أخلاقيا” على الرئيس، رغم كل الصعوبات التي قد تنشأ عن ذلك القرار، لأن إغلاق هذا المركز السيئ الذكر هو ليس مرغوب فيه فحسب، بل هو شرط.

ومن البديهي، أن التاريخ لا يجري وفقا لمبادئ ثابتة لا تتغير. ولكن هناك صيرورة تاريخية تقريبا يمكن أن تكون أساسا لتشريع تاريخي: فصعود وسقوط الدول الكبرى تعتمد بالدرجة الأولى على قوتها الاقتصادية. روما، الصين الإمبراطورية، البندقية، فرنسا، هولندا، البرتغال والمملكة المتحدة: كل هذه البلدان، وجميع هذه المدن شهدت ذروة أمجادها، ثم هبوطا حادا فيما بعد، وتراجع دولي نتج بعد الانكماش الاقتصادي الواضح.

ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، لم يكن ثمة شيء لعب الدور الأساس في ظهور الولايات المتحدة دوليا، أكثر من نموها الاقتصادي المذهل، حيث إن استخراج النفط الرخيص من الأراضي الأمريكية كان فعلا الوقود والمحرك الرئيس لهذا النمو. وفي وقت لاحق، تمكنت الولايات المتحدة من التغلب على أزماتها الاقتصادية الدورية، بما فيها الأزمة الاقتصادية في عام 1929م، التي كادت أن تطيح بالقوة الأمريكية المتصاعدة وتعصف بكل منجزاتها.

ولذلك، يبدو معقولا في نظر الأمريكيين، وهو شعب متفائل بطبيعته، كما يقول السفير هولبروك، الاعتقاد بأن الأزمة الاقتصادية الحالية ليست أكثر من نكسة مؤقتة، من نتاج الدورات الاقتصادية التي تصيب الدول الكبرى عادة، وأن العودة إلى الساحة العالمية ما هي إلا مسألة وقت، مع الاعتراف بأن مشكلة الرؤساء الأمريكيين منذ أكثر من خمسة عقود تكمن في التردد في اتخاذ القرارات الحاسمة، ونقص الشجاعة في تحمل نتائجها مهما كانت سلبية.

——————————

من هو ريتشارد هولبروك؟ توفي في 13 ديسمبر 2010م، عن عمر يناهز 67 سنة، كان سفيرا للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في عام 1999م حتى عام 2001م. وهو أيضا أحد أهم المهندسين الرئيسيين لاتفاقات دايتون في عام 1995م، كما أسهم في التوقيع على اتفاقية السلام في البوسنة والهرسك. وكان مستشارا للسناتور الرئاسي جون كيري خلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2004م وهيلاري كلينتون في السباق الأخير على ترشيحات الحزب الديمقراطي. وكان متوقعا حسب المحللين السياسيين في واشنطن لمنصب وزير الخارجية في إدارة الرئيس أوباما.

 

Advertisements
This entry was posted in Muslim Affairs. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s