لا إصلاح على الطريقة المصرية؟

أن تتحول الحرية إلى قضية رأي عام، إلى شغل عام، إلى هم عام، هذا ما تحتاجه مصر اليوم، أفقرهم الطغيان بالنهب وألهاهم بالانتخابات المزيفة، وأجهزت التنظيمات على ما تبقى من عقولهم، واستُدرجت القوى السياسية إلى مربع ضيق محدود، الانتخابات وما بعدها، يتعاركون ويتصايحون، ويتسلى الطغيان بيومياتهم و”مشاكساتهم”، فطالما المجتمع مغيبا ومبعدا، لا ضير، لهم أن ينفسوا عن مكبوتاتهم..
بقلم خالد حسن – مجلة العصر

هل ثمة أمل في تحقيق إصلاح سياسي من داخل النظام العربي، راهن عليه الكثيرون لكن لا جديد في الأفق، انتظرنا طويلا، غير أن أهل المروءة والشهامة والإباء في دوائر الحكم أعجز من أن يؤثروا في التوجهات المستقبلية، ربما لضعفهم وقلة عددهم وربما للضغوط التي يتعرضون لها وأنواع التحجيم والتضييق.

قال لي صاحبي: لو عجز كل هذا الزخم المعارض والمناهض لنظام الحكم في مصر على زحزحة حكم العجوز المترهل البئيس التعيس البليد، مبارك، عن الحكم، أو على الأقل التأثير في خيارات الحكم المستقبلية، فلا أظن أنه سينجح في أي بلد آخر، بالنظر إلى ما توفر له من زخم والتفاف وتوافق على مطالب معينة.

ليس الزخم وحده كاف لإحداث قدر من الإصلاح السياسي، والتجربة المصرية ليست مقياسا، رغم ما توفر لها من هامش ليس متاحا لغيرها، مشكلة مصر في جمودها وفراغها، في عجزها عن ضخ دماء جديدة، غابت عنها فكرة تحرير المجتمع من أنواع الاستعباد.

مصر اليوم، أوردها الطغيان والاستعباد المهالك، وأفسد عليها دينها ودنياها، وزرع الرعب في أحشائها.

أمر الإصلاح بالطريقة المصرية، محكوم عليه بالإخفاق والفشل مسبقا، يراوح مكانه، ينتج الأسماء نفسها، ترعاه النخبة وينشأ في حضنها، ويتدثر بدثارها، لا امتداد له شعبي، ضاغط ومؤثر، يعيش على الماضي القريب والبعيد، بينما لا يصنع ليومه ولا لغده ما يجدد عطاءه ويحرر المجتمع من أشكال الاستعباد والطغيان.

عار على المصريين هذا العجز والجمود، تملك مثقفيها الغرور، ومارسوا الأستاذية على المشرق والمغرب، في الوقت الذي طال بهم أمد القهر والطغيان.

ليس لمصر ما تمنحه لغيرها، وما لم يتحرر مثقفوها من عقد الأستاذية والاغترار بالموقف، ويرفعون الأغلال وأنواع الاستعباد عن المجتمع، فإنهم لن يتقدموا خطوة نحو إصلاح حكمهم.

ولن يتغير نظام مبارك من الداخل، كما لن تتغير أنظمة عربية أخرى من الداخل، فالقضية محسومة ابتداء: أن لا تراجع عن الاستعباد وإخضاع الشعوب وليس لها إلا بقايا أكل وسكن وعمل، كغيرها من الكائنات الحية، وهل تراجع شاه إيران عن طغيانه، رغم أنه حوصر بالاحتجاجات والمظاهرات من كل الجهات؟ كلا، بل آثر الهروب صاغرا مدحورا على التنازل عن العرش ورفع الأغلال عن الإيرانيين، لن تتنازل الأنظمة، ولن تمنحنا الحرية، لأنها خاضعة ومستعبدة من طغاة أشد بأسا وتنكيلا، فهي لم تتحرر، فكيف بها تحرر شعوبها؟

ما لم يتحرر الناس من العبودية للحاكم والتحرر من الخوف والنفاق والتزلف، ونصلح ما أفسده الاستبداد في دين الناس ودنياهم، فليس ثمة إصلاح.

نعم، لقد حطم الاستعباد المجتمع، وعبث بدينه، وصادر حقوقه، في المشرق والمغرب، كما لم يحطمه أمر آخر، لكنه لا غنى عن مواجهته، بالتحرر من الخوف والجبن والصمت والتزلف، وهذا ما غاب عن التجربة الإصلاحية المصرية، إذ لا زالت أسيرة النخبة وحديث التنظيمات والمجتمعات الخاصة والمغلقة.

أن تتحول الحرية إلى قضية رأي عام، إلى شغل عام، إلى هم عام، هذا ما تحتاجه مصر اليوم، أفقرهم الطغيان بالنهب وألهاهم بالانتخابات المزيفة، وأجهزت التنظيمات على ما تبقى من عقولهم، واستُدرجت القوى السياسية إلى مربع ضيق محدود، الانتخابات وما بعدها، يتعاركون ويتصايحون، ويتسلى الطغيان بيومياتهم و”مشاكساتهم”، فطالما المجتمع مغيبا ومبعدا، لا ضير، لهم أن ينفسوا عن مكبوتاتهم.

 

Advertisements
This entry was posted in Muslim Affairs. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s