المزارع أرحم لنا من ‘هذا الوطن’؟

تشاور العقلاء فيما بينهم: ونادى مناد فيهم: أليس فيكم رجل رشيد، يرضى بالهامش المتاح ولا يزيد إلحاحا ومشاكسة، وتفتح له أبواب السماء والأرض، أجابوا: من يحدد الهامش؟ وعلى أي أساس؟ وهل أصبح الوطن ملكية خاصة، لا نتصرف فيه إلا بإذن أو وكالة أو إجارة، ثم، مرة أخرى، ودائما وأبدا: ما هو هذا الوطن؟ وهل ثمة وطن بلا مواطنة؟ وهل ثمة مواطنة بلا حرية وتدافع؟ وهل ثمة حرية بلا إرادة سياسية؟ وكيف يحصل هذا وذاك بلا مطالبة؟
بقلم خالد حسن – مجلة العصر

لا أعرف معنى للمواطنة لا في سياقها العربي الإسلامي (في تجربتها الأولى) ولا وفق تجربتها الغربية المتأخرة، لأنني ببساطة لم أمارسها، تلقيت في حياتي قوائم عريضة من المحظورات والممنوعات باسم الوطن، وأصبحت أدرك جيدا ما لا ينبغي فعله، ولكن إلى الآن لا أعرف ما ينبغي فعله تجاه هذا الوطن.

الدولة خطفت الأمة واختصت حقها، صرنا وطنا لا أمة، عشنا لأوطاننا لا تعلو عليها قضية، نسبونا إلى أرض وتراب وحدود، وفرضوا علينا الولاء لأهل التغلب والشوكة الداخلية والخارجية، وأملوا علينا قسم الولاء وفروض الطاعة.

فلما تغير الزمن وتنامى الوعي وضاقت صدورنا وتحول الوطن إلى سجن كبير، طالبنا بوطن يتسع لعقولنا ومطالبنا، قالوا تريدون استرداد الأمة وإسقاط الوطن، أجاب العقلاء فينا، لا نرضى بهذا الوطن بديلا، فكرة الوطن البديل خيار استعماري لا نرتضيه، قالوا ليس لكم علينا إلا ما يوجبه الوطن، قال العقلاء فينا، وأين هذا الوطن؟ إنما هي أقفاص ومربعات وممنوعات وهياكل، لم نر وطنا، قالوا لنا: هذا من كفر النعم وجحود الفضل، ومنذ ذلك الحين صار من يطالب بحقَ يتهم بكفر النعمة وحجود الفضل والمنة، ولا يستحق أكثر من تحقيق واستنطاق أو توقيف وحبس.

قال العقلاء فينا: دلونا على مواطن صالح محقق لمقتضى الوطنية، نثني الركب بين تجاربه، أعطونا قائمة من أهل الوفاء، يرون في المطالب أصل الشرور والفتن، وزودونا بتجارب مخضرمين، عاشوا سنوات التنكر للوطن، ثم استقاموا على الجادة، ليلها المظلم كنهارها المضيء، يعيشون على الأمل والتغيير الهادئ العاقل، أليسوا أحرارا في وطنهم، فلم المزاحمة والمطالبة والمنازعة والتحريض والتأليب والتشكيك؟ أفلا يسعكم ما وسعهم، أغدقنا عليهم بهامش ـ يضيق ويتسع ـ وأرخينا لهم الحبل، لما عقلوا ونضجوا وكانوا بخيراتنا يقرون.

تشاور العقلاء فيما بينهم: ونادى مناد فيهم: أليس فيكم رجل رشيد، يرضى بالهامش المتاح ولا يزيد إلحاحا ومشاكسة، وتفتح له أبواب السماء والأرض، أجابوا: من يحدد الهامش؟ وعلى أي أساس؟ وهل أصبح الوطن ملكية خاصة، لا نتصرف فيه إلا بإذن أو وكالة أو إجارة، ثم، مرة أخرى، ودائما وأبدا: ما هو هذا الوطن؟ وهل ثمة وطن بلا مواطنة؟ وهل ثمة مواطنة بلا حرية وتدافع؟ وهل ثمة حرية بلا إرادة سياسية؟ وكيف يحصل هذا وذاك بلا مطالبة؟ وما هو هذا الوطن إن لم ترفع فيه رأسك وتعبر فيه عن رأيك وتناصح وتسائل وتختار وترضى فيه وتسخط؟ لا تنسوا أننا لم نطالب أكثر من مراعاة خصائصنا الإنسانية، وإلا لكانت المزارع والمراعي والكهوف أرحم لنا من هذا الوطن.

 

Advertisements
This entry was posted in Muslim Affairs. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s