نُصرة خطاب الحرية: مغالطات الأنصاري في رده على الدكتور محمد الأحمري

عبدالرحمن بن محمد التميمي / الرياض
وبعد، فلقد اتضح لنا أن كل سطر كتبه هذا الكاتب المعترض يلعن أخاه! كما اتضح لنا استعداء الكاتب وتحريضه وتلويحه بموالاة الأحمري لإيران وحلفائها مزايدة عليه في الوطنية بطريقة لا نجد وصفًا لها أقل من كونها غير محترمة!

في يوم الخميس الموافق 30 من ديسمبر الماضي، قرأت في صحيفة “الحياة” مقالة لكاتب يقال له: عبد الواحد الأنصاري، وصف نفسه في آخر المقالة بأنه من “أسرة الحياة” رد فيها على الدكتور محمد الأحمري بعض ما تناوله في حديثه عن الحرية في الحلقة التي بثتها قناة الجزيرة في لقاء معه، وذكر الأنصاري أن الأحمري “وقع في أخطاء معرفية وتعميمات عائمة واستدلالات على الأشياء بما هو ليس دليلاً عليها” [كذا].

وحينما قرأت ما أورده الكاتب وجدت أنه هو أولى بهذا الوصف من الدكتور الأحمري! وسيأتي بيان هذا، في النقاط الآتية:

* مفهوم الطاعة السلفي بين الأصالة والاستيراد:

ذكر الأحمري أن الفكر السلفي تأثر ببعض الطوائف المنحرفة وبالمسيحيين في مفهوم الطاعة الذي سلب الناس حق الإقرار أو الإبعاد للحاكم، فاعترض عليه الكاتب قائلاً: “فكل إمام مسلم له في العنق بيعة وبايعه أهل الحل والعقد في الإسلام فطاعته واجبة في غير معصية الله، ولا تنقض له بيعة ولا يخُرج عليه بالسلاح ولا ينهى عن المنكر بطريقة التهييج عليه أو التشهير به ما لم يظهر عليه كفر بواح. وعلى هذا مشى أهل السنة والجماعة الكرام، ودلت عليه النصوص، على رأسها القرآن: (أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم)، لكن مبادرة الإمام بالخلع والأمر والمعروف والنهي عن المنكر بالقوة وما شابه ذلك فهو مذهب الخوارج والمعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. ا.هـ

وفي هذه الأسطر القليلة من التعميم العائم، ومن الاستدلال بما ليس دليلاً في نفس الأمر، ما يستوجب الوقوف عنده!

إنه لا خلاف أن عقد الحكم هو عقد مراضاة بين الأمة والحاكم، ولأجل هذا أفتى الإمام مالك عند خروج النفس الزكية (محمد بن عبد الله بن الحسن) عام 145 هـ، وتساءل الناس وقد بايعوا أبا جعفر المنصور عن حكم الخروج مع النفس الزكية ومبايعته، فأجابهم بأنه لا بيعة لمكرَه، فلحق الناس بالنفس الزكية ولزم مالك بيته.

وعقد الإمامة عقد كسائر العقود يمكن فسخه من أحد الطرفين، ولا يلزم منه الدوام والأبدية.

ومن أهم ما يسبب فسخ هذا العقد تبديل شروطه أو أحدها والتقصير في ذلك، هذا في حال كانت البيعة بيعة مراضاة، فكيف إذا كانت البيعة أساسًا بيعة إكراه وتغلب؟!.

وإذا أردنا أن نأخذ نموذجًا تطبيقيًا لفهم النصوص الشرعية؛ فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يخطب يوم توليه فيقول:”أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم”.

فلم يقل أطيعوني إن أمرتكم بطاعة الله، واعصوني إن أمرتكم بالمعصية! حتى لو كنت أنا عاصيًا!

بل قيد طاعته بأن يكون هو في نفسه تقيًا مطيعًا، فإن عصى الله فلا طاعة له على الناس!

فالعاصي والفاجر لا طاعة له مطلقًا كما هو واضح في خطاب أبي بكر رضي الله عنه، بغض النظر عن كونه أمر بطاعة أو معصية.

أما خلع الحاكم وعزله حين لا يكون أهلاً أو حين يقصر في أداء واجبه ـ فضلاً عن أن يكون هو نفسه سببًا لفساد عريض ـ فقد فعله من هو أفضل من أحمد بن حنبل والبخاري وسائر أئمة الحديث في (العصر العباسي)!؛ فلقد خلع أهل المدينة النبوية من المهاجرين والأنصار وأبنائهم يزيد بن معاوية لفسقه وظلمه، وما تزال معالم قبور شهداء الحرة رضي الله عنهم باقية إلى زماننا هذا شاهدة على ما فعله المهاجرون والأنصار حينذاك.

وكذلك فعل الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير بن العوام ومن معه من الصحابة والتابعين.

وكذلك فعل الحسين رضي الله عنه.

وكذلك فعل العلماء والقراء من التابعين الكرام الذين خرجوا مع ابن الأشعث.

فهل كان أولئك الصحابة والتابعون الأبرار وهم بالآلاف خوارج ومعتزلة؟!

وهل هم مخالفون للسلف موافقون للفرق الضالة؟

أنا هنا لا أتخذ موقفًا لا سلبيًا ولا إيجابيًا، ولكني أوضح فقط ـ ومن ناحية معرفية محضة ـ ما في كلام الكاتب من المغالطات على السلف الصالح وأهل السنة.

قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب :”قد اختلف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، وكذلك أهل البيت، فذهبت طائفة من أهل السنة ـ رضي الله عنهم ـ من الصحابة فمن بعدهم كسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهم ـ وغيرهم، وهو قول أحمد بن حنبل وجماعة من أصحاب الحديث: إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان إذا قدر على ذلك، وإلا فبالقلب فقط ولا يكون باليد وسل السيوف والخروج على الأئمة وإن كانوا أئمة جور.

وذهبت طائفة أخرى من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ومن بعدهم من التابعين ثم الأئمة بعدهم إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يقدر على إزالة المنكر إلا بذلك، وهو قول علي بن أبي طالب وكل من معه من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كعمار بن ياسر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وغيرهم، وهو قول أم المؤمنين ومن معها من الصحابة كعمرو بن العاص والنعمان بن بشير وأبي العادية السلمي وغيرهم، وهو قول عبد الله بن الزبير والحسين بن علي، وهو قول كل من قام على الفاسق الحجاج كعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وأبي البختري الطائي وعطاء السلمي والحسن البصري والشعبي ومن بعدهم كالناسك الفاضل عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، وعبيد الله بن حفص بن عاصم وسائر من خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ومع أخيه إبراهيم بن عبد الله، وهشيم بن بشير والوراق وغيرهم”. (جواب أهل السنة 70 — 71).

فالمسألة مختلف فيها إذن! وليست قولاً واحدًا كما يوهم الكاتب المعترض.

أما قول الكاتب:”ودلت عليه النصوص وعلى رأسها القرآن، (أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم)”.

فأقول: إن هذا اجتزاء وتبعيض للنص القرآني، وهو من جنس جعل القرآن عضين!

فضلاً عن كونه من باب الاستدلال بما ليس دليلاً على المسألة محل النزاع!

فليس في الآية أي تعلق بمفهوم الطاعة السلبي المضيع للحقوق الذي يتكلم عنه الدكتور الأحمري!

بل أن تكون الآية هنا على خلاف مراد الكاتب أقرب منها إلى أن تكون على مراده، إذ كيف يقرن الله لفظ أولي الأمر معطوفًا على الله ورسوله وهو مشتمل على أهل الجور والظلم والهوى؟!

وإذن فالمقصود هنا هو أهل العدل والاستقامة ليتم المعنى، وإلا كان معنى محالاً جدًا يجل عنه كلام الله.

ثم إن هذه الآية الكريمة قد وردت مباشرة بعد قوله تعالى:{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}.

وهذا كاف في الدلالة على المقصود.

فكيف إذا كان عصيان المسرفين والمفسدين هو من تعاليم الأنبياء التي أرسل الله بها رسله ليقوم الناس بالقسط؟ ومن ذلك ما حكاه الله عن نبيه صالح عليه السلام:{ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون}.

ثم ما المقصود بالكفر البواح عند الكاتب؟!

هل هو الكفر المخرج عن الملة؟ أم هو المعاصي الظاهرة كما قال الإمام النووي وغيره؟!

مما سبق؛ نعلم أن إطلاق الكاتب قوله:” ولا تنقض له بيعة ولا يخُرج عليه بالسلاح ولا ينهى عن المنكر بطريقة التهييج عليه أو التشهير به ما لم يظهر عليه كفر بواح”.

يعبّر عن سوء فهمه في كل جملة منه!

ثم لا يتركك الكاتب تفرغ من دهشتك لهذا المستوى في (الفهم …)، حتى يدهشك أكثر حين يستنكر على الأحمري فيقول:” وليست طاعة ولي الأمر قادمة من الشيعة وأئمتهم؛ فأهل السنة لا يرون أن الحاكم معصوم كما هو عند الإمامية. كما أن المسيحيين أيضاً لا يوجبون طاعة الحاكم وإنما يوجبون طاعة رجال الدين الطاعة المطلقة، كما هو مبسوط في مواضعه من عقائدهم. فلا المسيحيون يعتقدون بهذا الاعتقاد، ولا الإمامية يقولون بتحريم الخروج على غير المعصومين، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة على التحقيق. “.

ولا أملك هاهنا إلا الاستغراب من فهم الكاتب!

فإن الأحمري لم يتكلم عن أهل السنة بعمومهم! بل كان يتكلم عن الخطاب السلفي! ولكن المعترض فهم من الخطاب السلفي أنه هو أهل السنة! وهذا محل كلام طويل لا يتسع له الوقت، ولكنها مشكلة معرفية عند الكاتب المعترض فيما يبدو، نضرب عنها صفحًا هنا لئلا نطوّل الكلام.

ثم إن التأثر بالإمامية لا يشترط أن يكون تأثرًا في التنظير للعصمة، بقدر ما يمكن أن يكون تأثرًا بالتعامل مع “غير المعصومين” بطريقة تشبه التعامل مع “المعصومين”!.

بل إن الإمامية منسجمون مع أنفسهم حين يتصرفون على وفق ما يعتقدون، فهم يقولون بعصمة أئمتهم، ويتعاملون على هذا الأساس؛ بعكس الذين يقولون بعدم العصمة، ثم يتصرفون على خلاف ذلك فيتناقضون.

وأما المسيحيون فلعل الأنصاري نسي أشهر نصوصهم: أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله!

ولعله لم يسمع بالنظام القيصري البابوي الذي تكون طاعة الملك فيه طاعة للكنيسة وطاعة لله!

وحتى لو كانت الطاعة عند المسيحيين هي طاعة رجال الدين، فما المانع أن يتأثر الخطاب السلفي بهذه النظرية في الطاعة لكن بنقلها إلى المستوى السياسي؟!

وإذن فحتى لو كانت طاعة المسيحيين أو طاعة الإمامية هي طاعة دينية، لا يمنع أن يتأثر بها الخطاب السلفي على المستوى السياسي.

وإذن فكلام المعترض هنا معركة في غير معترك!

ولكي يزيد المعترض كلامه شرعيّة ويعطيه مسوحًا دينيًا، فهو يذكِّر الأحمري بحديث عوف بن مالك الأشجعي في الطاعة، مذكرًا إياه بأنه كلام رسول الله وليس كلام الاثني عشرية أو المسيحيين!

فها هو يقول: “ولهذا جاء في صحيح مسلم (وليس في كتاب إمامي أو مسيحي) من حديث عوف بن مالك الأشجعي عن خيار الأئمة وشرارهم (وهؤلاء أئمة السياسة وليسوا أئمة الديانة كما أوهم الأحمري قياساً على الأئمة الإمامية)، وأوضح الحديث تحريم الخروج على أولئك الأئمة الأشرار ما أقاموا الصلاة. وعلى ذلك عمل السلف حتى مع الأئمة الذين ارتكبوا بعض الأخطاء الاعتقادية كإجبار الناس على القول بخلق القرآن، فلم يخلعهم أئمة السنة والجماعة ولم يعزلوهم بل صبروا ونصروهم ودعوا لهم في الجهاد والأعمال الصالحة، وإنما لم يطيعوهم في مقولة الانحراف العقدي وبينوا للناس الحق بالطرق الشرعية. خلافاً لما ذهب إليه الأحمري”.

أقول: أما حديث عوف بن مالك الأشجعي (ما أقاموا فيكم الصلاة)، فالواضح أن المعترض يتعامل مع الحديث بشكل مشابه تمامًا لتعامله مع النص القرآني! فهو كما يقتطع الآية وينزلها على فهمه قسرًا، دون أن يربطها بسائر آيات الكتاب العزيز، فكذلك يفعل بهذا الحديث فيأخذه كما هو دون ربطه بسائر نصوص الكتاب والسنة، مع أن قول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أقاموا فيكم الصلاة) قد بينه حديث آخر صحيح أيضًا (ما أقاموا الدين)! والحديث كما القرآن يفسر بعضه بعضًا!

فلا بد من فهمه مقيّدًا بجملة نصوص الكتاب والسنة، أما عزله في فضاء مستقل لوحده وفك ارتباطه بالمنهج القرآني كاملاً؛ فهو منهج في الفهم مرذول.

وأما قول المعترض: “وعلى ذلك عمل السلف”! مستشهدًا بفعل بعض أئمة المحدثين في العصر العباسي فأمر يدعو للتأمل في منهج وتفكير هذا الرجل! إذ كيف يغفل الاحتجاج بأهل القرون الأولى المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن قد ذكرنا طرفًا منهم، ثم يستشهد بمن بعدهم ممن لا ينال على الجملة شرف كونه من القرون المفضلة. هذا والسلف لم يكونوا رأيًا واحدًا في المسألة! بل النص الذي سقناه عن الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب واضح في هذه المسألة، فهل كل الأسماء التي ذكرها هي أسماء خوارج ومعتزلة؟ وهل كان الشيخ محمد بن الوهاب الذي استقل بدولة مستقلة عن العثمانيين خارجيًا والعياذ بالله؟!

لكن على الرغم من هذا فحتى استشهاد الأنصاري بأئمة الحديث أيام الفتنة هو استشهاد منقوض من أساسه، واستدلال لا يتم! فإن موقف المحدثين لم يكن واحدًا، فهذا أحمد بن نصر الخزاعي ـ وهو من أئمة أهل الحديث وثقاتهم ـ الذي قتله الواثق بيده كان قد أخذ البيعة لنفسه وبايعه الناس واجتمعوا حوله للوثوب كما ذكر الطبري والخطيب البغدادي وابن كثير والذهبي وغيرهم، حتى ورد أنه ومن معه (ملكوا بغداد)!

ومع هذا فلا وجه للاستشهاد بفعل المحدثين هنا لأن الواجب أن يحتج لهم لا أن يحتج بهم!

وبهذا نعلم من الذي وقع في الأخطاء المعرفية والتعميم العائم والاستدلال على الشيء بما ليس دليلاً!

هذا هو الشق الأوّل المتعلق بمفهوم الطاعة والعلاقة مع الحاكم في منهج السلف.

أما الشق الثاني من الموضوع والمتعلق بنسبة كثير من الانحرافات العقدية إلى أسباب سياسية؛ فهذا ما لم يصرّح به الأحمري!! ولم يقله، ولم يجعله له منهجًا مطردًا! فهو لم يقل إن نشوء العقائد كان لأسباب سياسية، ولكن هذا أيضًا لا يمنع على وفق الروايات التاريخية أن تفهم أسباب انتشار عقيدة ما، إما أنها كانت موجودة وأسهم السياسي بتغذيتها، أو أنها لم تكن موجودة وأسهم السياسي في خلقها، وهو أمر لا يجهله الخبير بالسياسة ومسالكها وما يسوغها من تبريرات وتفسيرات تنظيرية أيديولوجية عقائدية، كيف لا وتخصص الدكتور الأحمري هو في التاريخ السياسي الحديث؟

على أية حال دعونا ننظر كيف (يفهم …) المعترض، وكيف (يستدل ..) ليرد على الأحمري.

الردة والتوريث:

يعترض الكاتب على الدكتور الأحمري أنه “زعم أن سبب قتال المرتدين للمسلمين هو خوفهم من التوريث”. [كذا]!

مع أن الدكتور الأحمري لم يقل إن التوريث كان هو السبب! بل قال إنه جزء من الأسباب!

وأظن أن أي (عاقل) يفهم ما يقرأ ويسمع يدرك أن هناك فرقًا بين أن يقال:”كذا هو سبب كذا”، وأن يقال:”كذا جزء من أسباب كذا”!

ولقد استدل الأحمري على صحة ما يقول بحكاية معنى بيت شعري يعبر عن خوف بعض المرتدين من توريث أبي بكر لابنه، ولكن الكاتب يريد أن يعترض على الأحمري فبماذا يعترض عليه؟!

يقول بالنص: “وهذا الأعرابي الجاهل كان يظن أن أبا بكر الصديق يريد توريث ابن له يدعى بكراً الخلافة! مع أن أبا بكر الصديق «رضي الله عنه» لم يكن لديه ابن اسمه بكر. ولكن أراد الأحمري التخلص من هذا إلى أن موقف معاوية (وإن ترضى عنه) كان خاطئاً في توريثه ابنه،”.

فكأن الكاتب المعترض يظن أن الشاعر الذي قال بيتي الشعر كان يعبّر عن نفسه فقط ولم يكن يعبّر عن قومه مثلاً وطائفته! ومعلوم أن الشعراء كانوا خير معبّر عن قضايا قومهم لا سيّما ما يتعلق بالحروب والمفاخرات والمنافرات وغيرها، فهو لم يكن يعبّر عن موقف فردي بل كان يعبّر عن موقف جمعي.

ثم نرى الكاتب يريد أن يرد على الأحمري حكايته للبيت فيركّز على مسألة تافهة جدًا، وهي أن أبا بكر لم يكن لديه ابن يسمى بكرًا!!!

فكأن جهل الشاعر أو جهل قومه جميعًا باسم أبناء أبي بكر يلغي صلاحية الاستشهاد بهذا البيت على خوف المرتدين من التوريث!

وكأن الكاتب يريد أن يقول: مع أن الاحتجاج ببيت الشعر لا يصلح لأن الشاعر أخطأ في ظنه أن لأبي بكر ابنًا يدعى بكرًا إلا أن الأحمري أراد الخلوص إلى أن موقف معاوية ـ وإن ترضى عنه ـ كان خاطئًا في توريث ابنه!

ويقف هاهنا القارئ مشدوهًا من هذا (النبوغ …)!

فهل الأحمري هو الذي خطّأ معاوية في توريث ابنه أم سبقه بهذا (سلف صالح) من الصحابة الكرام والتابعين مما هو مذكور في السير والتاريخ؟! ثم ما معنى استثناء الكاتب حين يقول إن الأحمري خطّأ معاوية “وإن ترضى عنه”!!

هل هناك تعارض بين أن يخطّأ صحابي مع الترضي عنه؟! وهل يلزم من تخطئة الصحابي عدم الترضي؟ أو يلزم من الترضي عن الصحابي عدم تخطئته؟! أم أن الصحابي معصوم؟! هذه مشكلة معرفية وفكرية وذهنية أخرى تبدو لنا من خطاب الكاتب!

وهكذا يتبين لنا ـ بالفعل ـ معنى كلام الأحمري عن تسرب فكر (العصمة) إلى (الخطاب السلفي).

ثم يأتي العجب العجاب حين يقول الكاتب:” وهناك فرق بين تخطئة الفعل من جهة والحكم بمشروعية خلافة يزيد التي لا أعتقد أن الأحمري ينكرها. ومن هنا فلو كان الصحابة يعتقدون أن مبايعة يزيد والحكم بصحة خلافته خطأ من كل الوجوه لما بايع جمهورهم معاوية على استخلافه. بل كان جمهورهم يرون خلافته صحيحة وكان من بايعه منهم ملتزماً ببيعته لم يخرج منها كابن عمر رضي الله عنه وأكثر الصحابة”.

وهاهنا عدة أخطاء! فقول المعترض:”هناك فرق بين تخطئة الفعل من جهة والحكم بمشروعية خلافة يزيد”! كلام مشكل جدًا فإن ما بني على خطأ فهو خطأ، ولا يمكن أن يكون لازم الباطل حقًا!! وهكذا كيف يكون الباطل مشروعًا؟! ولكن عندما تختل المفاهيم ـ كما نرى لدى الكاتب المعترض ـ فكل شيء ممكن!

وأما مشروعية خلافة يزيد فقد كفانا الكلام فيها موقف أهل المدينة النبوية من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، وموقف الحسين بن علي، وموقف عبد الله بن الزبير ومن معه من أهل مكة.

ولست أدري كيف لا يعتقد الكاتب أن الأحمري ينكر شيئًا ليس له هم سوى إنكاره!! ولكنه (نوع نادر من الذكاء …) لا تكاد تجده عند كثيرين.

أما القول بأن جمهور الصحابة يرون خلافته صحيحة ـ أي يزيد ـ! وأنهم بايعوه، فهذا مما يحتاج إلى دليل واضح! فهل بايعه الصحابة مختارين أو مكرهين؟ ثم إننا قد علمنا موقف الحسين وابن الزبير وأهل المدينة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم الذين خلعوا يزيد! فهل عدم خروج من لم يخرج يستلزم القول بصحة خلافة يزيد، وهل بيعة المكرَه (ومعلوم تاريخيًا كيف أُخذت البيعة ليزيد) ملزمة إلى درجة أن يستدل بها؟! هذا أمر محيّر حقًا!

*خلع الخليفة نفسه أو خلع المؤمنين له:

ويعترض الكاتب على الأحمري إشارته إلى اقتراح علي على عثمان بخلع نفسه، بحجة أن هذا الخبر “إذا صح إسناداً، فهو راجع إلى تصويب أن يخلع الخليفة نفسه، وليس أن يخلعه المؤمنون الذين بايعوه لأجل معصية أو تقصير. وعلى هذا يحمل أثر أبي بكر في خطبته الذي يستشهد به كثيرون في هذا الباب. ولو صح ذلك إسناداً لما عورض به النص الصريح الصحيح، لأن عثمان رضي الله عنه كان معه نص من رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ينهاه عن التخلي عن الخلافة، ولا اجتهاد مع النص، قال عليه السلام: «يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يوماً فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه، يقول ذلك ثلاث مرات. قال النعمان: فقلت لعائشة ما منعك أن تعلمي الناس بهذا؟ قالت أُنسيته». صححه الألباني. أما المطالبة بالاستقالة تحت ضغط التجمهر أو ما شابه فهي مطالبات الخوارج ولا يتصور العقل أن يتفق علي رضي الله عنه معهم فيها”.

وفي هذه الأسطر طوامّ معرفية!

أولا:فأما ادعاؤه “أن إشارة علي إن صحت فهي دليل على جواز خلع الخليفة نفسه لا أن تخلعه الأمة من أجل تقصير” غير لازم من القصة، بل ينقضه أن عليًا رضي الله عنه اقترح عليه تلبية طلبات المعترضين، ويضاف إلى هذا ما ذكرناه سابقًا في أن الإمامة عقد مراضاة بين الحاكم والأمة.

ثانيًا:لو صحّ حديث عائشة عن عثمان فهذا خاص بعثمان رضي الله تعالى عنه ولا يعمم على كل حاكم، ثم إن عثمان تولى باختيار الأمة وليس بالتغلب والتوريث! وهذا خلط عجيب من الكاتب فرّج الله عنه!

ثالثًا: الحديث مشروط بالمنافقين لو أرادوا خلع عثمان، وليس بالأمة المؤمنة حين تخلع حاكمها، وإلا فإذا كان كل من خلع الخليفة منافقًا فيلزم من هذا أن نتهم بالنفاق كل الصحابة والتابعين الذين خلعوا يزيد!

وأيضًا فإثبات أن جميع المعترضين على عثمان أو جملتهم كانوا منافقين دونه خرط القتاد، والحديث قد ربط الشرط بالمنافقين، وإذا بطل الشرط بطل المشروط.

وهكذا فاستنتاجه حين يقول:” أما المطالبة بالاستقالة تحت ضغط التجمهر أو ما شابه فهي مطالبات الخوارج” ..

فالرد عليه من جنس الكلام السابق حول الصحابة والتابعين الذين خلعوا الحاكم.

* الأمويون والجبر:

ويعترض الكاتب على الأحمري أنه نسب إدخال الجبر للأمويين موافقة للعصرانيين ـ كما يقول ـ أو للتصور الشيعي، وأن الأحمري “ردد الاسطوانة الإيرانية المعروفة التي تتردد في أشد خطابات نصر الله عدواناً”!

وإدخال إيران وحسن نصر الله في (أشدّ خطاباته عدوانًا) في نقاش معرفي ما هو إلا استعانة على الخصم بما هو خارج محل البحث، عدا عن كونه مسلكًا غير أخلاقي يخلو من أدنى درجات المروءة إذ فيه اتهام للدكتور الأحمري بموالاة إيران وحلفائها ينم عن نفس مضطربة غير متزنة، وعن مزايدة على الوطنية والولاء مع أني علمت من مصادر موثوقة أن الكاتب المعترض ليس سعودي الجنسية وكان يمكن أن يكون له بعض العذر لو كان من السعودية أو من الخليج أو حتى من الدول العربية فلسنا ندري هنا علام يقوم الكاتب المعترض بالمزايدة، بهذه الطريقة الفجة!

ثم إن معاداة إسرائيل تظهر في أشد خطابات إيران ونصر الله عدوانًا كذلك! وبشكل أكبر بكثير جدًا من ذكر جبرية الأمويين، فهل معنى هذا أن معاداة إسرائيل أمر خاطئ؟!

يضاف إلى هذا أن القول بأن الجبر أدخله الأمويون هو في حد ذاته مسألة تاريخية معرفية تناقش بشكل معرفي تنظيري محض يقوم على الدليل والنظر! ولكن الكاتب المعترض يوظفها بشكل سياسي تحريضي ضد الأحمري ويدخل إيران في الموضوع!

لكن على الرغم من هذا، لو كان هناك حقيقة تاريخية مثلاً فإنه لا يلغي كونها كذلك موافقة الشيعة أو حتى اليهود!.

وها هنا لا بد من وقفة مع الكاتب المعترض سواء في طريقة (استدلاله) أو (فهمه).

أما كون الجبر ليس معتقدًا سلفيًا فليس هذا ما قاله الأحمري! كل ما قاله الأحمري هو أن الأمويين أدخلوا الجبر واحتجوا به على أن الملك الذي بأيديهم إنما هو سلطان الله أراده الله وقدّره لهم!

ويكفينا في هذا خطبة زياد بن أبيه المشهورة حينما أرسله معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ إلى البصرة (44 هـ) ليضبط الأمور المضطربة هناك ـ مضطربة لماذا يا ترى؟ ـ فقام زياد بن أبيه وخطب خطبته البتراء الشهيرة التي عبّر فيها عن منهج الخليفة الذي أرسله، وكان مما قاله:” أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا”.

فها هو ذا يرى أن أن سلطانهم هو سلطان الله! قد أعطاهم الله إياه! وأن فيء الله! خوّلهم الله إياه! وأن لهم على الرعية حق الطاعة فيما أحبّوا! وللرعية عليهم العدل فيما ولوا! (وخطبة زياد نفسها تبين طبيعة ذلك العدل!!)

وشهرة هذه الخطبة أكبر من أن يشكك فيها!

دع عنك النصوص الأخرى التي رواها الطبري عن الأمويين واحتجاج بعضهم بالقدر سواء على ما يفعله بعضهم من الفواحش والفجور، أو على التحكم والتغلب (رسالة الوليد بن يزيد بن عبد الملك إلى عمه هشام مثالاً، وخطاب المبايعة للحكم بن الوليد وأخيه عثمان بولاية العهد الذي تلي على الناس في الأمصار كذلك).

وكل تلك الخطب كانت قبل الجهم بن صفوان!

وهكذا نعلم أن (الجبر) حقًا صناعة أموية! وأنه متقدم على الجهم بن صفوان كثيرًا، لا كما يدّعي الكاتب المعترض “بأنه لم يكن معروفًا أصلاً”، بل إن أخبار جبرية الأمويين أقوى إسنادًا وأكثر استفاضة مما هو منسوب للجهم بن صفوان.

وحين نتأمل في طريقة إلزام الكاتب للأحمري حين يقول:” وتناول الأمويين بإطلاقه عليهم بهذه الطريقة يجعل مذهب المبايعين لهم والمقرين بخلافتهم كلهم جبرية مرجئة، وهذا لا يقول به إلا طائفتان، الخوارج والشيعة الذين يرون الخروج على الإمام الحاكم بالقوة، وهو الخطاب الذي تفرخه إيران في المنطقة حالياً.”.

حين نتأمل في هذا النص الذي لا يقضي منه العجب! ندرك مقدار ما يتمتع به الكاتب المعترض من (القدرة الذهنية …) فضلاً عن الإنصاف وصحة الفهم!

فها هو ذا يكرر ذكر إيران هنا من باب الاستعداء والتخويف والتهديد للأحمري! مزايدًا عليه في وطنية لا يملكها المعترض!

أما الإلزام (المضحك ..) وهو أنه يلزم من كون الأمويين جبريين أن يكون كل من بايعهم جبريًا كذلك!!

فهذا من أعجب الإلزامات وأكثرها إضحاكًا!!

فهل إذا برر السياسي لموقفه وسوّغه بخطاب أيديولوجي، هل هذا يقتضي أن من بايعه وخضع له لأي سبب من الأسباب يتبنى الأدلوجة نفسها؟!

ولكن الكاتب المعترض يريد أن يحتج بأي شيء حتى لو كان وهمًا وما ذاك إلا نتيجة ضعف موقفه! إذ لو كان له حجة أخرى لأدلى بها!.

والزعم بأن مسألة الجبر والقدر فكرية محضة لا علاقة لها بالظروف السياسية لا من قريب ولا من بعيد كلام يحوي كثيرًا من المكابرة؛ فإن المعترضين على الدولة الأموية والعباسية إما أنهم (جبريون) يحتجون بالجبر على الدولة! أو أنهم نفاة للقدر (قدريون).

فإن كانوا جبريين فلسان حالهم يقول: “كما أنكم أيها المستبدون مجبرون على التسلط وأكل الفيء عن غير مشورة المسلمين؛ فنحن أيضًا مجبرون على خلعكم والخروج عليكم”! فهو أشبه بقلب الأدلوجة على أصحابها.

وإن كانوا منكرين للقدر نفاة له فلسان حالهم ومقالهم يقول:” كلا معشر المستبدين إن أدلوجتكم كذبة كبرى ولم يقدّر الله أن تغتصبوا السلطة دون مشورة من الأمة”

وإذن؛ فعلى الاحتمالين كليهما لا يمكن الزعم بأن إثبات الجبر أو نفيه هو أمر فكري محض ومعزول عن المحيط الاجتماعي والسياسي!

وهكذا؛ فلا وجه إذن للاستدلال الواهي من طرف الكاتب المعترض إذ يقول بأنه لو كان الأمويون جبريين لما قتلوا الجهم!! وهذا استدلال عليل يتشبث به من لا يملك دليلاً في الأمر نفسه!

فإن قتل الأمويين الجبريين للجهم الجبري هو أمر واقع بقضاء الله وقدره انسجامًا مع عقائدهم، ولا لوم عليهم حينئذ لأنه يسير على وفق العقيدة التي يتبنونها ويروجونها.

على أية حال أختم ردي هذا على الكاتب المعترض المتعالم ووطنيته التي في غير موضعها! ببيان خطئه بجعل بشر المريسي نافيًا للقدر، والواقع أن المريسي كان جبريًا ولم يكن نافيًا للقدر! وحتى ابن أبي دؤاد ينفي عنه ابن تيمية أنه كان نافيًا للقدر بل لقد كان جبريًا!

وبعد، فلقد اتضح لنا أن كل سطر كتبه هذا الكاتب المعترض يلعن أخاه! كما اتضح لنا استعداء الكاتب وتحريضه وتلويحه بموالاة الأحمري لإيران وحلفائها، مزايدة عليه في الوطنية بطريقة لا نجد وصفًا لها أقل من كونها غير محترمة! أضف إلى هذا تلبيسه الفاقع في حكاية منهج أهل السنة، مما يلزم عنه وصف الإمام محمد بن عبد الوهاب بأنه خارجي، لأنه استقل عن الدولة العثمانية “المبتدعة” حينئذ، وهذا كلام خطير لا ينبغي أن يمر مرور الكرام!.

وبهذا نعلم من هو الذي “وقع في أخطاء معرفية وتعميمات عائمة واستدلالات على الأشياء بما هو ليس دليلاً عليها”! الأحمري أم الكاتب المتعالم!

 

Advertisements
This entry was posted in Muslim Affairs. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s