هل ستُسرق ثورة مصر قبل ولادتها!

03-2-2011

هناك تقارير ومقالات ومخاوف ينشرها مراقبون أو مرجفون غربيون قد لا نسلّم بصحتها ـ رغم صدور بعضها من خبراء في مؤسسات عسكرية ـ تقول بأن الثورة انتهت لصالح العسكر مع سليمان.

ويبقى أن معرفة ما يدور مهم، فعندما يتفانى مبارك وعساكره في الضغط على الثورة وتحطيم رجالها ونسائها بأسلوب قمعي وهمجي متخلف من مظاهره إرسال عصاباته على الخيول والجمال لتفريق المتظاهرين بهذه الأساليب البدائية، ليقمع المؤثرين من الشباب والنخب المجتمعية الذين يتعاملون مع وسائل التأثير وشبكات التواصل الاجتماعي الحديث (فمصر هي ثامن بلد في العالم من حيث استخدام الفيس بوك وكذا تويتر منتشر وغيره من وسائل التفاعل والتأثير العام عبر الجوالات والأنترنت)، ويعمل النظام العسكري لأن يجعل الناس يفرون منه إليه؛ وقد حصلت هذه الخديعة الكبرى في نظر بعض المراقبين بأنّ الجيش التابع لمبارك وسليمان يتدخل بديلا عن الأمن، وكلا الجهازين عسكريان بيد الحاكمين أنفسهم، ويوم يفرح المتظاهرون بالجيش فإنهم دون وعي يستجيبون للنظام نفسه ولقائده مبارك ونائبه سليمان.

وقد رأينا وسمعنا في مقابلات وأحاديث الثوار والقياديين منذ أمس خطابا واضحا في التمزق بين القيادات، واتهامات حتى من معارضين أشداء، وقد تبين أن خدعة مبارك العاطفية وترحيل التغيير إلى الانتخابات القادمة قد أثر في بعضهم، حيث بدأوا يناقشون ويتحدثون أن البرادعي ومن معه من الحريصين على العزل السريع لمبارك هم أولياء أمريكا، وهذه التهم والخيانات المتبادلة خطوة خطرة في تدمير الثورة لنفسها في أول مراحلها.

ويحاول النظام بأي طريقة استعادة الظهور بأن الموقف أصبح طبيعيا إلى حد كبير، ويخيف الناس بعضهم ببعض على طريقة “فرق تسد”، وبالتالي ترسيم سليمان حاكما عسكريا مؤقتا ثم منتخبا أو من هو على نهجه من العساكر أو خاضع للعساكر، وبالتالي يزعم هؤلاء أن الثورة انتهت وأن سليمان سوف يأتيه التأييد وسيرسل إليه دعم مالي “من الاتحاد الأوربي ومن السعودية” كما يقول الكاتب روبرت سبرنجبورج في (فورين بوليسي) 2\2\2011 الذي يرى أن اللعبة انتهت وأن الخطة تمت.

أما جولياني الحقود (مرشح رئاسة فاشل وكان حاكم نيويورك وقتل مسلمين على الشبهة دون محاكمة) فظهر على سي إن إن 2\2\2011 يشكر أفضال مبارك ومودته لإسرائيل، ويعترف أنه ديكتاتور وحشي، ويأسف أن مبارك لم يقهر الثوار، وينصح حكومته وإسرائيل بخطة علنية وأخرى سرية، العلنية تطالب بإخراج مبارك، والتظاهر بدعم الديمقراطية، وسرا عليهما أن تضعا نظاما عسكريا بديلا، ومعهم بعض المدنيين من غير الإخوان، فلحسن الحظ ـ كما يرى ـ أن الشعب المصري يحب الجيش، هذا توجيهه.

أما الذي يجب أن يراعيه الثوار هو ما نصحهم به الحسن بني صدر: أن يتمموا ثورتهم كاملة غير منقوصة ويقضوا على كل مراكز القوى في النظام القديم، وعدم القبول بالمؤسسات السابقة في القضاء وفي المجالس المزورة التي أسس لها الاستبداد القديم،. ولا أقصد بالقضاء هنا القتل، فهذه جريمة وهدم لمشروعهم، فلو سمحوا بانتشار العنف لصعب إيقافه، واستخدمه الجميع ضد الجميع، ولأن ثورتهم سلمية إلى الآن ويجب عليهم العمل لتبقى سلمية قدر طاقتهم.

بل المقصود إزالة المتنفذين الفاسدين من النظام الذي سيكون قديما، من كل مواقعهم، وكذا العمل قدر الإمكان على الوصول إلى أركان اتفاق لا يحاد عنها، ومنها إنهاء سيطرة العسكر على البلد، وهذه من أصعب الخطوات بسبب تركز المال والسلطة في أيديهم، فهم القوة التي تحتل الحياة السياسية والمالية بشكل شمولي في مصر، وهي أمل إسرائيل وأمريكا لخنق البلاد مرة أخرى، ولذا لا بد من تطمين هذه الأطراف والتصميم العملي على إنهاء احتلالها للبلاد، والقناعة النهائية الصارمة بنظام ديمقراطي حاسم في دستوره الجديد بالالتزام بعدم التمديد لأي حاكم، ومشاركة الأقليات والأحزاب جميعها في صياغة المستقبل، لا يستبعد أي فعاليات ولا مجموعات من حقها في المشاركة في إدارة بلدها. ومعنى هذا القبول بمشاركة حتى المتهمين الآن بالتنسيق مع أمريكا من أمثال البرادعي، وتجنيب البلاد العزلة، وإعلان الالتزام بمعاهدات الماضي الظالمة.

ولعل أكبر تحد تواجهه الثورة تلك القناعة المنتشرة بين المراقبين بأن أمريكا تريد لمصر أن تبقى في قبضة العسكريين، ويبقى الموقف الأمريكي تجاه مصر أنها من المحميات الخاضعة، وخير ما يُخضعها هم العسكر أو من يشبههم، ولكن العساكر نهبوها وأذلوها وأهانوا سكانها، فلعل أمريكا ستكون واقعية مع المرحلة، وتدرك عمق الشعور بالإهانة الموجهة للمصريين عبر رجالها في مصر، وحرمانهم للشعب من حقوقهم الديمقراطية، وتزوير الانتخابات والانحياز إلى الإرهاب الصهيوني في حربه على غزة والفساد والسرقة لثروة البلاد (أشار مقال على صفحة قناة آيه بي سي يوم 3\2\2011 أن مجموع ثروة آل مبارك ما بين 40 إلى 70 مليار دولار).

وإن لم تستجب أمريكا وإسرائيل لحكومة معتدلة أقل عسكرية في مصر، فإن البلد سيبقى قلقا ومخيفا بالنسبة لهم وقد يكون أكثر ثورية مستقبلا، ولذا فإن فالرعب من الإسلام فوق كل تقدير لدى أمريكا والكيان الصهيوني المجاور الذي يرعبه وجود حكومة وطنية في أهم بلد عربي يشكّل سكانه ربع سكان العالم العربي. وإذا لم تنجح هذه الثورة أو سُرقت، فإنها قد تؤسس لثورة جديدة أكثر راديكالية وعنفا من هذه.

 

Advertisements
This entry was posted in CURRENT EVENTS. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s