آخر كلمات اسلام لوالدته: قولي لبابا انه خلِّف راجل بجد..

اسلام بكير

هدى عمران

كهوي يوسف الصديق في غيابات الجب، هوى اسلام بكير في بئر من الاحباط عدة شهور قبل الثورة.

مع اقتراب عيد الأم تتحدث والدته عن الابن الذي وهبته للثورة المصرية، وتروي قصة ربما تبدو بسيطة وتقليدية، ولكنها طعنت اسلام في اسمى ما يميز البشر: القدرة على الحلم، وبعد فراق فلذة الكبد تبعث أم اسلام رسالة الى روحه الشهيدة.

“ماما، قولي لبابا انه خلِّف راجل بجد”، لم تدرك السيدة عائشة عندما حدثها ابنها تليفونيا يوم 29 يناير الساعة الواحدة صباحا من خط أرضي في فندق في التحريرأنها ستكون هذه آخر مرة لسماع صوته، وبعد بضع ساعات سوف يعود اسلام البيت.

كما تسترجع والدته باكية وغاضبة “جالي يا حبة عيني غرقان في دمه، سايح في دمه والله حاجة تقهر. قتلوه بخمس طلقات : واحدة في راسه، واثنين في ظهره واثنين على جنبه. الواد جالي طول بعرض مقتول غدر، حسبنا الله و نعم الوكيل”

اسلام البالغ من العمر 22 عاما تخرج من كلية الآداب قسم الحضارات الأوروبية، وكان لهذا الفتى أحلام متواضعة جعلته يهرول لملاحقتها في ميدان التحريرعندما أكد وشهد هذا الميدان على ميلاد الحرية والأمل في الحياة الكريمة.

تصديقا على وعود العديد من المسؤولين ومانحي الوظائف أن تعلم اللغات الأجنبية يمهد له الطريق إلى وظيفة ناجحة، اعتقد اسلام أن دراسته في كلية تُطور من قدراته اللغوية حيث تعلم اليونانية والإيطالية سوف تفرش له طريقا مملوءا بالورود الى وظيفة العمر.

كيف كانت نشأة اسلام؟

اسلام هوالأصغر من بين اربعة أشقاء، هند وسامح وحسام. تحكي والدته عن نشأته: “اتربى عادي وسط اخواته، ولكنه كان دائما ولد طموح جدا ويحب يعمل كل حاجة بنفسه عمره ما يطلب مساعدة حد، وكان بيحب دراسته في الكلية. على المستوى الشخصي، كان كدة نشيط ويحب الحياة ويحب الخروج والفسح والمرواح والمجي وكل مايحوِش قرشين يروح يتفسح بيهم قي أي حتة، راح شرم والغردقة والعريش وحتت كتير يا حبة عيني”.

والسياسة، كان ليه أي….

و قبل أن أكمل سؤالي ترد والدته منفعلة “أبدا. لا عمره ناقش السياسة ولا اهتم. ابني عمره مامشي في مظاهرة. ابني كان عايز ابسط حقوقه يا ناس: يعيش ويشتغل ويتجوز البنت اللي خاطبها. ده مش حقه يا رب؟! “.

هل كان هناك حدث معين اثار غضب اسلام قبل الثورة مباشرة؟

تذكر والدة الشهيد حدث احبط ولدها “قبل 25 يناير،. بعد ما اتخرج قدم اسمها ايه دي (السي في) في كل مكاتب وشركات السياحة، والله لو رحتي أي شركه هتلاقي اسلام مقدم فيهم كلهم يا حبيبي. قوم جات شركة طيران وكلمته عشان يروح يمتحن عشان يبقى مضيف طيران، الواد فرح أوي وذاكر للامتحان وجهز ولبس البدلة ونازل يا عينيا قمر والله قمر، طول بعرض بجمال يفرح. ويا حبيبي نجح في الامتحان، لكن ماخذوهوش. عارفة ليه؟ كان في واحد تاني رغم انه جاب مجموع اقل منه بس فضلوه على اسلام عشان دفع لهم خمسة وعشرين ألف جنيه حتة واحدة عالترابيزة. ومن ساعتها اسلام ده بقى في عينه كسرة عمري ماشوفتها، وبعدها اشتغل في سوبر ماركت كبير بائع وخلاص على كدة”.

كيف استعد اسلام للثورة؟

لم يكن اسلام مخططا ليوم 25 يناير على الإطلاق. “ولا قاللي حتى انه رايح التحرير، ومحدش كان عارف ان في حاجة كبيرة يعني هتحصل اليوم ده. انا كنت فاكراه رايح الشغل عادي اتاريه طلع على التحرير، ورجع بالليل ورجليه دي كلها الرصاص المطاطي ده، لكنه جيه فرحان من الشباب والشجاعة اللي شافهم، وأول مرة أشوفه كدة مبسوط من ساعة موضوع الوظيفة ده. يوم الجمعة اللي هو جمعة الغضب لما سمع ان الموضوع كبير نزل العصر، ومعرفناش عنه حاجة طول اليوم ماهما كانوا قاطعين التليفونات، لغاية ما كلمنا الساعة واحدة بالليل من الخط الأرضي في فندق في التحرير، وبعدها الساعة ستة الصبح جالي سايح في دمه يا حبيبي. الواد كان قمر طول بعرض خمس رصاصات قطعوه…” وتصرخ باكية بكاء الثكلى المرير.

كيف يُرد حق اسلام؟.

ببكاء مرير وصوت ملئ بالاصرار تقول “حبيب العادلي أنا عايزاهم يعلقوه كدة في التحرير وأقطع في لحمه بإيديا دول، وأم كل واحد مات تقطع فيه معايا. وكل واحد ضرب نار على ولادنا اللي زي الورد دول ونكدوا عليهم حياتهم من قبل كدة يتحاكموا. والفلوس اللي ناهبينها؟ شوفتي المليارات شوفتي كمية الفلوس؟ بيعدوها ازاي؟ وبيعملوا بيها ايه انا نفسي اعرف والناس مش لاقية اللقمة؟ الفلوس دي ترجع للبلد لازم. و باقول للشباب الجميل اللي زي اسلام، اوعوا تنسوا الشهداء وكملوا الي هما عملوه. دمهم ميروحش هدر عشان غالي أوي”.

كيف تريدين تخليد ذكرى اسلام؟

“بيقولوا هيعملوا الشارع هنا باسمه أو متحف في التحرير. أنا بافرح أوي بالكلام ده، بس اللي بيفرحني أكتر اني أشوف اسلام عايش جواكو كلكم. هو ده اللي هيصبرني”.

رسالة أم لابن ماذا تقولين لاسلام الان؟

تزداد الدموع في عينيها ويرتعش صوت الأم وتبدأ:” وحشتني يا حبيبي، أنا خسرتك ومش عارفة أرجعك تاني. عيد الأم قرب وكنت كل سنة تبوس ايدي وتحضني، بس السنة دي رحت مني. أنا ساكتة وصابرة عشان انت بميت راجل. انت وكل الشباب عملتوا اللي عمر ما حد قدر يعملوا”.

Advertisements
This entry was posted in CURRENT EVENTS. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s