تبا لهم و تبت أياديهم

في عالمنا المعاصر تحولت الحروب و النزاعات المسلحة الى ميادين لصراع البقاء تغيب عنها القيم و حقوق الإنسان، و تخضع فيها ذمة المقاتل للبيع و الشراء، و تصبح مفخرة الجندية عرضة للإسترزاق، و تنقلب كرامة الجهاد الى رخيص الممارسات من الاغتيال و الذبح و التصفية !

و لكن الحال كان مختلفا في الفتوح التي لبست عباءة الاسلام الذي نص أن للحرب و الأسر و الهدنة و القتال أخلاقيات، و حفل التاريخ بنماذج غاية في التجرد و الرقي في التعامل مع منظومة الحرب و أخلاق المنتصر مع المهزوم، و وصية أبي بكر لجيشه بإحترام الشجر و الحجر و الرهبان المعتزلين و نشر الأمن و عدم الترويع وثيقة تاريخية تدل على سماحة الإسلام مقارنة مع غيره من الحضارات و حروبها الدينية التي ولغت في دماء المسلمين في الأرض المقدسة

و حتى في العصور المتأخرة من عهد العثمانيين لم تختلف سياسة الحرب و السلم الراشدية إذ يورد الأمير شكيب أرسلان في كتابه (حاضر العالم الإسلامي) حوارا بين أحد الوزراء العثمانيين و مسؤول أوروبي قال له الوزير العثماني ” إن قرونا مرت بنا كنا قادرين فيها على أن لا نبقي بين أظهرنا الا من أقر بالشهادتين، و أن نجعل بلداننا صافية للإسلام،فما هجس في ضمائرنا خاطر كهذا أصلا، و لذا بقي بين أظهرنا حتى في أبعد القرى و أصغرها نصارى و يهود و صائبة و سامرة و مجوس، و ظل لهم ما للمسلمين و عليهم ما على المسلمين”

و حتى في أحوال العجز و قشة الغريق رأينا عفو المقتدر و التسريح بإحسان يوم أسر الطالبان، الذين شيطنتهم أمريكا و حلفاؤها و صورتهم كمثال للتطرف و الهمجية، الصحفية إيفون ريدلي و رعوا حقها كرهينة فخرجت من عندهم مسلمة مبشرة بسماحة هذا الدين و أتباعه

و في ظل عولمة الصراعات و أنسنة النزاعات كانت قضيتنا الفلسطينية بحاجة الى تضافر جهود كل من يؤمن بالعدالة و الحرية حول العالم، جهد جماعي مدني و مؤسسي مخلص لا يرتبط بسياسة الدول و منظمات المجتمع الدولي التي تتقن إشعال الحرائق و افتعال حالات الاحتقان، و قد بلغ من فداحة الظلم في فلسطين أن هؤلاء المتطوعين من غير أمتنا العربية و الإسلامية تجندوا للقضية عندما لامست قلوبهم حرارة الدماء النازفة و آهات الضحايا التي أخرجتهم من رغد العيش في بلادهم المطمئنة ليقفوا طواعية و اختيارا و محبة في وجه أعتى عدو غاشم عرفه تاريخ البشرية

فبالأمس القريب قتلت جرافات الإحتلال ريتشل كوري و لم يشفع للفتاة النصرانية عند اليهود لا عهد قديم و لا عهد جديد و لا موسى و لا عيسى،فزبانية الحرب لا يفهمون الا لغة الدم و الدمار و لو تسربلوا بمسوخ الدين و الحرب المقدسة، و هؤلاء لا يختلفون في العمى و إنعدام البصيرة عن الذين قتلوا الناشط الإيطالي فيتوريو أريغوني الذي تشرد عن بلاده لأجل غزة المحاصرة و عاش مبادىء الإسلام في بذل الخير و التسابق عليه و لو لم يعتنق الإسلام، فكان من الأقرب مودة الذين وصفهم القرآن ” و لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى”  و لولا هذه المودة فماذا يجبره على تحمل الهموم و المصاعب التي مل منها العرب و اخوة الدم و الدين و التاريخ لولا أن روحه سمت فوق عالم المادة و الإختلاف و عانقت روح الإنسانية في غزة

الذين قتلوا أريغوني لا تختلف أهدافهم عن أهداف العدو الصهيوني في تركيع أهل غزة و إجهاض التعاطف الدولي مع قضية الحصار في هذا الوقت الحاسم الذي يستعد فيها ناشطو العالم لتسيير أسطول الحرية الثاني الذي كان أثر سابقه شديد الوطأة على إسرائيل و أظهر للعالم حقيقتها الوحشية

لا نجد اعتذارا و لا مواساة تليق بمقام أريغوني و لا نعرف تعويضا لابنه الوليد الذي قتله أدعياء الإسلام! و لكننا مصابون مثل عائلته كما غزة كلها مصابة بفقد هذا النصير القوي صاحب القلب الصادق

فتبا لهم من جعلونا نحس الدنية في ديننا، و شوهوا صورة الإسلام، و جعلونا نعتذر و نبرر لدين حفظ حقوق غير المسلمين في حالة العداء فكيف و قد كانوا محبين و ناصرين

تبوا و تبت أياديهم

د.ديمة طارق طهبوب 

Advertisements
This entry was posted in War & Peace. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s